عُقدة المرحلة الثانية من «اتفاق غزة»

تواجه المرحلة الثانية من اتفاق غزة تحدياً رئيسياً يتمثل فى عدم اتفاق طرفى الصراع على تعريف «نهاية الحرب». فإسرائيل ترى أن النهاية تتحقق بتفكيك كامل للمقاومة، بينما يرى الفلسطينيون أن النهاية تعنى رفع الحصار وضمان عدم عودة الاحتلال.

لذلك تبقى المرحلة الثانية مرحلة تفاوض على التناقضات لا على التفاصيل. ولا شك أن هذه المرحلة هى الأخطر والأصعب فى مسار الاتفاق، لأنها تنقل الملف من البُعد الإنسانى المؤقت إلى حسم قضايا جوهرية تتعلق بمستقبل القطاع.

وتهدف هذه المرحلة عملياً إلى تثبيت وقف إطلاق نار مستدام، وتشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة القطاع، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وبلورة آلية أمنية تمنع تجدد الصراع، بوجود قوة دولية لا تزال محل خلاف حول طبيعتها والدول المشاركة فيها.

ويتجاوز الدور المصرى فى المرحلة الثانية الوساطة التقليدية إلى دور الضامن الإقليمى للاستقرار، فالقاهرة تعمل على منع أى سيناريو لتهجير قسرى للفلسطينيين، وتدفع نحو صيغة حكم فلسطينى انتقالى غير فصائلى فى غزة، كما تسعى إلى ضبط الوضع الأمنى على حدودها الشرقية. ولهذا، تدفع مصر إلى تحويل المرحلة الثانية من مجرد اتفاق أمنى هش إلى مسار سياسى قابل للاستمرار، مع الحفاظ على خطوط اتصال فاعلة مع جميع الأطراف.

أما «مجلس السلام» الذى دعا له الرئيس ترامب فيبدو أقرب ما يكون إلى آلية لإدارة الصراع، لا إلى مشروع سلام شامل. فالمجلس، وفق المتداول عنه، يركز على تثبيت الاستقرار الأمنى وإدارة «اليوم التالى» فى غزة، أو مرحلة ما بعد الحرب، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية. لكنه، حتى الآن، لا يقدم تصوراً واضحاً لحل القضايا الجوهرية، ما يجعله إطاراً سياسياً مؤقتاً أكثر منه مساراً نهائياً.

ومشاركة مصر فى «مجلس السلام» تبدو متسقة مع قرار اختيار شرم الشيخ المصرية لتحتضن توقيع اتفاق وقف الحرب، بحضور الرئيس الأمريكى ولفيف من القادة والزعماء.

وبالطبع ستكون المشاركة مشروطة بعدم تجاوز الحق الفلسطينى، وعدم فرض ترتيبات أمنية تمس السيادة المصرية، ووجود أفق سياسى حقيقى. وفى ظنى أن مصر ستتعامل مع المجلس باعتباره منصة للتأثير وضبط التوازنات، لا منصة لتبنّى رؤى جاهزة.

أما مسألة وجود خلاف بين واشنطن وتل أبيب حول صلاحيات القوة الدولية المزمع إنشاؤها فى غزة، فظنى أنها تأتى فى سياق المراوغة السياسية المعتادة، ولا تعنى سوى اختلافات شكلية يُحسم معظمها سريعاً على أساس قاعدة ذهبية تحكم تلك العلاقة: «الحفاظ المطلق على أمن إسرائيل ومصالحها».

وغالباً ما تتراجع وجهة النظر الأمريكية لصالح ما ترغب به حكومة نتنياهو، كما هو حاصل حالياً على الأرض، من إتاحة العمل العسكرى لجيش الاحتلال تحت لافتة «الخروقات»، التى وصلت إلى حد تحويل «الخط الأصفر» إلى حدود جديدة بين دولة الاحتلال والقطاع، فضلاً عن السيطرة الاستخباراتية الإسرائيلية المطلقة، وعدم تقييد قرار استخدام القوة.

فهل تقدر الولايات المتحدة على تقليص هذه العربدة العسكرية الإسرائيلية المستمرة؟ هذا هو السؤال الأهم، الذى يستحق الاهتمام به بدلاً من إلهائنا بتفاصيل طبيعة عمل القوة الدولية ومن سيشارك فيها.

وعلى صعيد متصل، لا أثق فى تقارير إعلامية إسرائيلية تروج للقاء محتمل بين الرئيس المصرى ورئيس حكومة الاحتلال.

فمثل هذه التقارير يجب التعامل معها بحذر. فاللقاء غير وارد حالياً لكنه محتمل فى إطار إدارة الأزمة، وإن حدث فسيكون محدود الأهداف، تسبقه تحضيرات دقيقة، فمصر لن تسمح بلقاء بروتوكولى يخدم وضعية نتنياهو الداخلية، أو يستهدف فقط تمرير صفقة الغاز المشتركة بين البلدين، بحسب ما ورد فى تقرير «تايمز أوف إسرائيل» حول اللقاء.

وظنى أن الشرط المصرى سيكون تحقيق مكسب واضح فى ما يتعلق بمسألة «محور فيلادلفيا» أو التنسيق الحدودى فى معبر رفح، بما يسهم فى رفع المعاناة عن الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة.

أما الزيارة المؤجلة للرئيس السيسى إلى واشنطن، ومدى انفتاح المجال أمامها حالياً، والتى ترددت أنباء عن إمكانية حدوثها خلال الشهر الجارى، فظنى أنها إن تمت ستسهم بصورة واضحة فى التأثير على صياغة القرارات الراهنة المرتبطة بالشرق الأوسط، وفى مقدمتها الخطوات التنفيذية للمرحلة الثانية من اتفاق غزة.

وقد طالبت مصر بتأجيل قبول دعوة الزيارة منذ فبراير الماضى، حتى لا تتعارض مع الثوابت المصرية المرتبطة بالأمن القومى، والخطوط الحمراء التى لا تسمح بتخطيها فى ما يتعلق بالحق الفلسطينى ورفض التهجير.

وهى ثوابت لا يملك أى رئيس تجاوزها، لأنها تعلو فوق أى علاقة دولية مهما بلغت أهميتها.

وبرغم ذلك، نجحت مصر فى الحفاظ على علاقة متوازنة مع الإدارة الأمريكية الحالية، رغم اختلاف وجهات النظر، بفضل حكمة الدبلوماسية المصرية وقدرتها على إيصال رسائلها الحازمة بما يتناسب مع المنطق الحاكم للإدارة الحالية بقيادة الرئيس ترامب.

وقد نجحت القاهرة فى تأسيس أطر استراتيجية تسمح بهذا المزيج بين التعاون والاختلاف، وهو ما قد يجعل زيارة قريبة للرئيس المصرى إلى واشنطن أمراً وارداً فى أى وقت.