سامح فايز يكتب: الإخوان واقتصاد البقاء في أوروبا

كتب: محرر

سامح فايز يكتب: الإخوان واقتصاد البقاء في أوروبا

سامح فايز يكتب: الإخوان واقتصاد البقاء في أوروبا

من الأهمية بمكان أن نتعامل مع المال في تجربة جماعة الإخوان الإرهابية بوصفه أكثر من مورد، وأبعد من أداة، وأعمق من مجرد وسيلة للإنفاق. تسلّل بهدوء إلى صميم التنظيم، وصار مع الوقت لغة موازية لا تُدوَّن فى البرامج ولا تُرفع فى الشعارات، لكنها تُستدعى كلما تغيّر الزمن وضاق الهامش. وحين أدركت الجماعة، مبكراً، أن الأفكار وحدها لا تصمد طويلاً في عالم متقلّب، بدأ المال يلعب دوره الصامت: يحفظ الاستمرارية، ويعيد ترتيب الصفوف، ويتخفّف من الضجيج.

في أوروبا، لم يدخل هذا المال صاخباً ولا مستعرضاً، بل جاء متخففاً من الأيديولوجيا، متسلحاً بالقانون، متقناً لفنّ البقاء الهادئ. لم يعد سؤال المال هناك: كم نملك؟ بل: كيف نبقى دون أن نُرى؟ كيف نعمل دون أن نُستهدف؟ وهكذا، بعيداً عن العناوين الكبرى، تشكّلت شبكة اقتصادية لا تُقرأ دفعة واحدة، لكنها تمسك بخيوط التنظيم، وتعيد إنتاجه كلما بدا أنه بلغ نهايته.

منذ سبعينات القرن الماضى، ومع استقرار أعداد متزايدة من الإسلاميين فى أوروبا، بدأ تشكّل اقتصاد صغير داخل الجاليات: اشتراكات، تبرعات، جمعيات دينية، أنشطة تعليمية بسيطة. لم يكن فى ذلك ما يلفت الانتباه، ولم يكن المال أكثر من أداة لخدمة الحاجات اليومية. غير أن الثمانينات حملت معها تحوّلاً نوعياً، حين خرجت التنظيمات الإسلامية من نطاق الجالية المغلقة إلى المجال العام الأوروبى، وبدأ الاحتكاك المباشر مع السياسة والإعلام والقانون.

كانت قضية سلمان رشدى لحظة فاصلة. فجأة، صار الإسلام موضوعاً عاماً، وصارت التنظيمات مطالبة بالتمثيل، والرد، والتنظيم، وتحمّل كلفة الظهور. هنا ظهر المال بوصفه شرطاً للفاعلية، لا ترفاً تنظيمياً. من يملك الموارد يملك القدرة على التنظيم، وعلى القانون، وعلى إدارة الأزمة. ومن لا يملكها، يظل فى الهامش، مهما ارتفع صوته.

فى التسعينات، نضج هذا الوعى وتحول إلى تخطيط. لم تعد الجماعة تبحث عن التمويل بوصفه دعماً سياسياً مباشراً، بل بوصفه بنية تضمن الاستمرارية. ظهرت أسماء رجال أعمال ومنظّمين قانونيين عملوا فى الظل، وبنوا شبكات اقتصادية عابرة للحدود، تفصل بين المال والخطاب، وبين النشاط الاقتصادى والتمثيل الدعوى. لم يكن الهدف السيطرة، بل توزيع الأدوار، وتقليل المخاطر، وتعلّم العمل داخل منظومات قانونية معقّدة.

لكن أحداث الحادى عشر من سبتمبر قلبت الطاولة. فجأة، صار المال محل شبهة، وصارت الجمعيات تحت المجهر، وظهرت قوانين وتشريعات جديدة تراقب كل تحويل وكل نشاط. هنا دخلت الجماعة مرحلة إعادة الهيكلة. لم يعد السؤال كيف نتمدّد، بل كيف نصمد. سقطت النماذج المركزية، وبرزت اللامركزية بوصفها خياراً اضطرارياً، لا تنظيراً فكرياً.

توزّعت الوظائف: كيان للتعليم، وآخر للعقار، وثالث للتمثيل، ورابع للخدمات. لم يعد هناك مركز واحد يمكن الإشارة إليه، بل شبكة من كيانات مستقلة قانونياً، متجاورة وظيفياً. المال لم يختفِ، لكنه غيّر شكله. صار محلياً، صغيراً، مستقراً، يعتمد على الرسوم والخدمات، لا على التدفقات الكبيرة العابرة للحدود.

ثم جاء عام 2013، ليضيف طبقة جديدة من التحوّل. مع تراجع المركز السياسى للإخوان فى الشرق الأوسط، وجدت الشبكات الأوروبية نفسها مضطرة إلى الاستقلال الكامل. لم يعد هناك ظهر خارجى يمكن الاتكاء عليه. هنا اكتملت القطيعة مع نموذج الحركة العابرة للحدود، وحلّ محلها نموذج التنظيم الأوروبى المحلى، الذى يعيش داخل القانون، ويتغذى من المجتمع الذى يعمل فيه.

فى هذه المرحلة، برز التعليم بوصفه العمود الفقرى للاستدامة: مدارس، معاهد، مراكز تدريب، تعمل وفق القوانين، وتدرّ موارد ثابتة، وتعيد إنتاج القاعدة الاجتماعية. العقار بدوره لعب دور الضامن الصامت، فالمقار المملوكة أكثر أماناً من المستأجرة، والأصول الثابتة أقل إثارة للشبهات من الحسابات المتحركة.

إلى جانب ذلك، توسّع ما يمكن تسميته بالتمويل غير المباشر: شراكات مع منظمات حقوقية، مراكز بحث، أنشطة ثقافية، منصات إعلامية رقمية منخفضة الكلفة. لم يكن المال ينتقل هنا بوصفه دعماً سياسياً، بل بوصفه تمويل مشاريع، أو موارد لوجيستية، أو شراكات مدنية. التأثير لم يعد يحتاج إلى خزينة كبيرة، بل إلى حضور ذكى ومتخفف.

غير أن أوروبا لم تكن مسرحاً واحداً. فى فرنسا، جاءت القوانين الصارمة والحل الإدارى. فى النمسا، المواجهة المباشرة. فى ألمانيا، المراقبة والضغط التراكمى. وفى بريطانيا، الامتثال الخيرى الصارم. هذا التفاوت فرض على التنظيم إدارة المخاطر دولةً دولة، والتخلى عن أى وهْم بنموذج أوروبى موحّد.

ثم جاءت حرب غزة الأخيرة، فعاد التدقيق بأقصى درجاته. لم يعد المال وحده محل السؤال، بل الخطاب، والموقف، والشرعية. أغلقت حسابات، وترددت بنوك، وتقلّصت مساحات الحركة. ومع ذلك، لم تختفِ الشبكات، بل انكمشت، وتكيّفت، وعادت إلى أدواتها القديمة: الصمت، التوزيع، العمل بالمشاريع الصغيرة.

فى السنوات الأخيرة، دخلت جماعة الإخوان، شأنها شأن كثير من التنظيمات العابرة للحدود، مرحلة جديدة من التعامل مع الاقتصاد الرقمى، لا بوصفه مجالاً أيديولوجياً، بل كأداة كفاءة وإدارة ومناورة منخفضة الكلفة. لم يعد الحل الرقمى ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة فرضتها القيود البنكية، وتشديد الرقابة، وتراجع مساحات العمل التقليدى. وهكذا تحوّل الفضاء الرقمى إلى بنية مساعدة للاقتصاد، لا بديلاً عنه.

اقتصادياً، أتاح التحول الرقمى تقليل الاعتماد على الهياكل الثقيلة، واستبدالها بمنصات خفيفة لإدارة العضوية، وتنظيم الاشتراكات، وجمع التبرعات المحلية الصغيرة، ضمن أطر قانونية أكثر قابلية للامتثال. لم تعد الموارد تُدار عبر خزائن مركزية، بل عبر أدوات تقنية توثّق العمليات، وتوزّع المخاطر، وتسمح بالتحكّم الدقيق فى التدفقات. هذا التحول خفّض الكلفة، ورفع القدرة على الاستمرار، دون لفت انتباه غير ضرورى.

الخلاصة أن المال الإخوانى فى أوروبا لم يكن يوماً كومة نقود مخفية، كما يُصوَّر أحياناً، بل كان عقلاً تنظيمياً يتعلّم من الهزائم أكثر مما يحتفى بالانتصارات. تغيّر شكله، وتبدّلت مساراته، لكنه ظل يؤدى الوظيفة نفسها: ضمان البقاء.

ومن يظن أن تفكيك هذه الظاهرة يحدث عبر مطاردة الحسابات فقط، يخطئ القراءة. فالقصة، فى جوهرها، ليست قصة أموال، بل قصة تنظيم فهم مبكراً أن من لا يُحسن إدارة اقتصاده، لا يملك ترف الاستمرار فى عالم لا يرحم الضعفاء.