أضواء تحرق صاحبها (2)
يبقى حال هؤلاء الذين سلطت عليهم أضواء فى بداية طريق الكتابة ثم انطفأت صعباً جداً، يثير الشفقة، وقد يستحقون معه الرثاء، فهو أشد قسوة مما يلاقيه الذين ظلوا فى الهامش رغم مواصلة الكتابة، لأن هؤلاء، على الأقل، ينقطع أملهم فى بلوغ التحقق والذيوع يوماً ما وإن تأخر.
فمثل هؤلاء قد تكون فى نفوسهم بعض سكينة أو رضاء، ومنهم من يصبر معولاً على الزمن مراهناً على قارئ يقصده لم يهتد بعد إلى كتاباته.
أما من أُلقى من عل إلى الدرك الأسفل للتجاهل والتغافل والنسيان، فلا أظن أن بوسعه تحصيل سكينة، أو سلامة نفسية، وقد يظل طوال الوقت يواجه ناراً مستعرة فى جوفه، كلما تذكر ما كان عليه، وما آل إليه، غارقاً فى هذه الفجوة الرهيبة، التى هى أشبه بحفرة سقط فيها، ولا يعرف كيف يخرج منها.
وحتى لا يكون حديثى هنا مجرد تنظير أحلق به بعيداً عن الواقع، فقد يكون مفيداً فى هذا المقام أن أستعيد تحقيقاً صحفياً أجرته جريدة «أخبار الأدب» تتبعت فيه ما جرى لأدباء نالوا جوائز سخية أثارت حولهم ضوءاً مبهراً، فغطسوا فيه، أو احترقوا به، حين فاض وزاد عن حده فانقلب إلى ضده، إذ إن المنحنى أو الرسم البيانى، اللاحق على الجائزة إما أخذ فى التراجع، وربما التدهور على مستوى الكيف والكم، أو توقف تماماً.
لا أقصد هنا بالطبع من جاءهم النور المبهر، وهم يقفون على هرم عال من الكتابة المعتبرة، شعروا معها أنهم قد أفرغوا كل ما فى الأذهان والمخيلات على الورق، مثل حائزى جائزة نوبل أو البوكر وجونكور الدوليتين، إنما من غمرتهم الأضواء وهم فى أول الطريق، أو بعد قطع خطوات قليلة فيه، فتوهموا أنهم قد حققوا ما يريدون، وانتهى الأمر.
أما جريدة «حرف» فقد استعادت، فى تحقيق مطول لها، ما جرى لعشرين كاتباً، وصفهم نجيب محفوظ وهو يسلمهم جوائز «أخبار الأدب» عام 1994 بـ«العباقرة الجدد»، وكان لى شرف وحظ أن أكون واحداً منهم وقتها، فيما قالت الجريدة على غلافها بعد إعلان نتيجة المسابقة التى شارك فيها ما يربو على أربعة آلاف قاص من كل أرجاء مصر: «نهدى قراء الأدب عشرين كاتباً موهوباً ».
وضعنا هذا الفوز يومها فى دائرة ضوء كانت مبهرة قياساً إلى صغر أعمارنا وحجم إنتاجنا، فلما حاول المحرر الثقافى النابه الأستاذ إيهاب مصطفى التواصل معهم، عجز عن الوصول إلى أربعة منهم انقطعت أخبارهم ولفهم النسيان. وحاور البقية أو حصل منهم على تصريحات، فمن واصلوا الكتابة حدثوه عن استغلالهم هذه الدفعة القوية فى العمل بهمة، ومن توقفوا وتعثروا أو غيروا مسارهم، تكلموا عن أسباب ما عاقهم عن الاستمرار، وهى موزعة على يأس البعض من جدوى الكتابة، وإصابتهم بداء صدأ الأقلام، الذى جعل أحدهم يقول: «لم أقدر بعد هذه الجائزة على كتابة سطر واحد»، وهناك من جرفته ظروف الحياة القاسية بعيداً عن الكتابة، فأمعن فى التماس العذر لنفسه كنوع من الطبابة، أو الحيلة الدفاعية عن النفس، دون أن يكون مقتنعاً بالضرورة بهذه الدفوع.
هكذا يمكن أن يكون الضوء اللامع بغتة فخاً أو مصيدة أو ثقباً أسود يبتلع كاتباً واعداً، ويسحبه بعيداً إلى هامش معتم، دون أن يتاح له فى البداية معرفة ما ينجر أو يؤخذ إليه عنوة أو استسلاماً، حتى يتقدم به العمر، فيدرك، بعد فوات الأوان، أن هذا الضوء الساطع كان نقمة عليه، وهو الذى ظنه حين غمره أنه نعمة سابغة، ووعد مقيم، وبشارة مضمونة العواقب والمآلات.
ربما يكون فى هذا بعض عزاء لمن يستمرون فى الكتابة رغم تهميشهم، فهؤلاء يقبضون، ورغم تقدم السنين بلا ثمار، على شرف المحاولة، الذى يُحرم منه أولئك الذين أخفقوا فى استغلال إضاءة قوية لأسمائهم وعملهم الأول الفارق، الذى قد يصفونه هم، فى لحظة صدق مع النفس بأنه لم يكن سوى شهاب حارق.