محمد سلامة يكتب: استغنِ عمن شئت

كتب: editor

محمد سلامة يكتب: استغنِ عمن شئت

محمد سلامة يكتب: استغنِ عمن شئت

«استغنِ عمن شئت تكن نظيره.. احتج إلى من شئت تكن أسيره.. أحسن إلى من شئت تكن أميره».. كلمات قالها الإمام سيدى على بن أبى طالب، أمير المؤمنين كرم الله وجهه، رسمت منهج حياة.. «كتالوج» من شأنه تخفيف متاعب إنسان وصفه الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِى كَبَدٍ».. قبل عقود ربما تتجاوز 5 عقود أو يزيد قليلاً.. كلما هبطت قريتى البعيدة فى صعيد مصر أرانى قد انسلخت عن عالمى لأيام، أو هى أسابيع.. عالم آخر لا يمت إلى عالمى هذا بصلة قرابة أو نسب.. لا مجال ها هنا لمدنية أفسدت حياتنا.. «هتكت» براءة أغلبنا.. أحالت يومك إلى صراع لا ينتهى حتى يبدأ.

لم يكن هنالك «هايبر ماركت» يمتد عشرات بل مئات الأمتار المربعة طولاً وعرضاً.. أدوار تعلوها أدوار من كل بقاع العالم.. كل ما لذ وطاب طوع بنانك.. ملك يمينك.. كل «البراندات» العالمية.. «الماركات» الشهيرة عند قدميك.. فقط «كبسة زر».. «شبيك لبيك».. ادفع واطلب ما شئت، الكل يباع.. لم نعرف يومها طعم ذلك «الكافيار» بأنواعه.. «السيمون فيميه».. «الدراجون» تلك الفاكهة الاستوائية الأغلى فى العالم.. الشيكولاتة بألوانها.. أحجامها.. المياه الغازية الفوارة من أعلى قمم جبال الألب.

كنا نشرب من ترعة كانت يومها نظيفة.. نأكل من أرض نبتت بسواعدنا.. نلبس نسيج قطن كان حتى وقت ليس ببعيد أفضل أقطان العالم دون منازع.. نتنقل على «ركوبة» لا تخرج عن حمار.. فى أفضل الأحوال «بغل» لم يتمرّد يوماً.. لم يخلق غباراً.. تلوثاً.. انبعاثات تخنقنا اليوم دون رحمة.. لم نشكُ غلاء أسعار بات قاسماً مشتركاً فى كل أحاديثنا صباح مساء.. ولا أمراضاً باتت عنواناً لأغلبنا.. لم نسمع يوماً عن تضخّم.. عجز موازنة.. ارتفاع أسعار الفائدة.. انخفاضها.. سعر الصرف بات كلمة سر كل تصرفاتنا.. قراراتنا.. تبدّلت حياتنا التى لم تخرج عن دار.. دوارة.. دردارة.. دار من الطوب اللبن نسكنها.. دوارة هى الزريبة للماشية.. دردارة الساقية التى ترفع المياه إلى الغيط أو الحقل.. لم نعرف يومها طوابير خبز أو عيش.. زحام على مجمع استهلاكى للحصول على بضع فرخات مجمدة.. كان هنالك الخبز «البيتى».. الفراخ من خيرات الدار.. كل ضرورات الحياة أقرب إلى يديك.

تبدّل الأمر بين عشية وضحاها.. بدأ موسم الهجرة إلى الشمال.. الشرق.. ملايين المصريين شدوا الرحال إلى دول الشمال الأوروبية، طلباً للعلم.. وآخرون إلى الشرق طلباً للرزق فى دول النفط أو البترول.. البعض إلى المدينة طلباً للعمل.. تبدّلت الأحوال ما عادت القرية قرية.. «تريّفت» المدينة.. تحولت إلى عشوائيات.. مدن على الهامش تفتقر إلى أبسط قواعد الحياة الإنسانية وسط صمت حكومات متعاقبة.. تحولت القرية التى كانت تصدر خيراتها إلى المدينة إلى مستورد لكل مقومات الحياة من المدينة التى تحولت بدورها إلى الاستيراد، طلباً لكل شىء.. أى شىء.. اشتعلت معها حرب أسعار فى ظل أزمات عالمية حاصرت العالم ولا تزال، من أزمات اقتصادية.. سياسية.. حروب.. صراعات باتت على الأبواب رغماً عنا.. الأمر لا يتطلب ها هنا سوى العودة.. عودة إلى الجذور.. قرية تنتج كل احتياجاتها.. تزرع.. تصنع.. تصدر بعيداً عن المدينة.. مشروعات صغيرة تنتج خبزاً.. تربى دواجن.. تنتج عسلاً.. تصنع أثاثاً من خامات بيئية دون غيرها.. تزرع أقواتها.. تبنى بيوتاً بعيداً عن غابات أسمنتية ما كانت تشبهنا.. بيوت من الطبيعة.. طوب لبن.. أسقف من أخشاب.. مبردات مياه طبيعية من الفخار.. الأمر لا يتطلب سوى حصر كل احتياجاتنا الحياتية اليومية.. تصنيفها.. تحديد بأيها نبدأ.. نعود إلى إنتاجها.. زراعتها.. تصنيعها.

3 أقسام لا تخرج عنها احتياجاتنا الحياتية.. جزء يمكن الاستغناء تماماً عن استيراده، ولدينا منه بديل أو يمكن أن يكون له بديل محلى.. جزء آخر لا يمكن الاستغناء عن استيراده، مثل وسائل الإنتاج أو التصنيع.. جزء ثالث من الممكن مستقبلاً تصنيعه أو إنتاجه عوضاً عن استيراده.. هنا يمكننا أن نصل بسعر صرف الجنيه إلى سابق أمجاده.. نلغى تماماً من قاموس حياتنا اليومية مصطلح «عجز» الموازنة.. عجز الميزان التجارى.. ارتفاع أسعار السلع.. الخدمات.. بالتأكيد تحسّن مستوى المعيشة.. عودة إلى القرية هنالك يكمن السر.. سر سعر الصرف.. سر عجز الموازنة.. سر الخلل بالميزان التجارى.


مواضيع متعلقة