في عيدها.. المجد للمدينة الحرة.. بورسعيد!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

كانت مصر تتطلع لبناء نفسها بعد احتلال طويل.. أكثر من سبعين عاماً يتحكم المستعمر فى مصير البلاد والعباد، ولذلك كانت الرغبة عارمة لتعويض شعبنا ما فاته، ولا يتحقق التعويض إلا باستقلال الإرادة والكرامة الوطنية واتخاذ القرار السياسى المستقل، واتخاذ القرار الاقتصادى المناسب لاحتياجات وتطلعات المصريين، ومن هنا جاءت فكرة بناء السد العالى، حلم الأحلام المؤجل المطلوب أساساً لإنقاذ كل جوار النهر من الفيضان الجارف، الذى كان قبل السد يجرف فى طريقه كل شىء من حجر وبشر، حتى كانت كل أو أغلب المدن والقرى التى تحيط بنهر النيل تختفى من الوجود!! لتعود بعد أشهر من انحسار الفيضان للظهور من جديد، فى عمل موسمى يتحكم فيه القدر وتحكمه الطبيعة!
ولم يكن التصدى للفيضان وحده السبب فى التفكير فى بناء السد العالى بل كانت الرغبة فى إطلاق مشروع تنموى كبير، يبدأ باستقرار الناس فى مدنهم وقراهم ثم إلى تنظيم رى الأرض الزراعية للفلاحين، وكان وربما لم يزل سبعين فى المائة من سكان مصر يعيشون فى ريفه العظيم!
وقبل كل ذلك وبعده كان حلم التصنيع يراود قادة مصر الشبان من أبناء الجيش العظيم، الذين تولوا أمرها بعد ثورة يوليو 1952.. حيث الوجود على الساحة الدولية كبلد عصرى حديث لا يتم إلا بالصناعة.. والصناعة تحتاج إلى كهرباء والكهرباء تحتاج إلى السد العالى!
ومن هنا كان الرد على نهاية قصة تمويل السد العالى بتأميم قناة السويس أمراً طبيعياً فى ظل الاعتبارات السابقة.. الكرامة والاستقلال والتطلعات الكبرى.. كان الرد مدوياً بتأميم قناة السويس لفت أنظار العالم خاصة المستعمرات القديمة، ولذلك كان طبيعياً أيضاً أن يكون رد فعل المستعمر على النحو الذى جرى.. بالعدوان الثلاثى!
ولكن المدهش وأمام دولتين عظميين وثالثة فى ذيلهما تقدم بورسعيد درساً للتاريخ ولكل شعوب العالم فى صمودها الأسطورى.. وفوقه تقدم دروساً فى إدارة الأزمات والتحدى الذى جرى فى صمود عسكرى شعبى ونظامى هائل.. جعل اسم بورسعيد فى كل أنحاء المعمورة، حتى أصبح فى ذاته ملهماً لكل أحرار العالم المتطلعين إلى الاستقلال والكرامة والحرية!
قدم أهلنا فى بورسعيد فى هذه البطولة النادرة أسماء أبطال عظام، منهم مع زينب الكفراوى زينب أبوزيد وأفكار العوادلى وليلى النجار وسلوى الحسينى، وكذلك محمد مهران الذى دفع عينيه ثمناً لصموده، ومنهم محمد حمد الله وأحمد هلال ومحمد سليمان وعلى زنجير، الذين ألقوا القبض على الضابط الإنجليزى «أنتونى مورهاوس» ابن عمة ملكة بريطانيا وقاموا بتسليمه إلى الملازم أول محمد سامى خضير واليوزباشى عز الدين الأمير، وخضير جاء فيما بعد مديراً لأمن ثم محافظاً لبورسعيد!
وأسماء أخرى خالدة، منها طاهر الأسمر ومدحت الدرينى وجلال هريدى ومحمد أحمد الجيار وأحمد عبدالله ونبيل الوقاد ومصطفى عبدالوهاب والسيد صبحى الكومى، والصاغ سعد عبدالله عفرة والمرحوم منير على الألفى واليوزباشى مصطفى كمال الصياد والبطل عبدالمنعم الشاعر ويحيى الشاعر، الذين شاركوا فدائيى المقاومة الشعبية فى نسف وتفجير تمثال ديليسبس، والشهيد جواد حسنى، الطالب بكلية الحقوق، الذى تطوع فى الحرس الوطنى وتم تعذيبه حتى يدلى بأى معلومات إلا أنه رفض فقتلوه بدم بارد ويستشهد فى مشهد يستحق التخليد. كذلك السيد عسران الصبى الذى لم يتجاوز السابعة عشر عاماً والذى وضع قنبلة لضابط الاتصال البريطانى «الميجر وليامز» فى رغيف خبز. وانتهى العدوان مثل هذا اليوم 23 ديسمبر 1956 بانسحاب المعتدين، وعادت القناة إلى مصر وسقطت حكومات الغرب التى قادت جيوشها إلى الخيبة الثقيلة وشيدت مصر السد العالى!
تحية إلى بورسعيد... المدينة الحرة فى عيدها القومى.