متطوعون يكسرون حاجز الخوف في قرى فلسطين المحاصرة.. ماذا يحدث؟

كتب: محمود العيسوي

متطوعون يكسرون حاجز الخوف في قرى فلسطين المحاصرة.. ماذا يحدث؟

متطوعون يكسرون حاجز الخوف في قرى فلسطين المحاصرة.. ماذا يحدث؟

فى قلب «غور الأردن»، شرقى الضفة الغربية، حيث تمتد الأرض الفلسطينية على اتساعها، ويختلط الواقع اليومى بالسياسة والقوة، تتكرر مشاهد صادمة تكشف عن أحد أشد أشكال الصراع قسوة وتجريداً من الإنسانية، فى قرية «رأس عين العوجا» الفلسطينية، لم تعد الجرافات وقرارات الإخلاء وحدها أدوات السيطرة، بل تحولت «قطعان الماعز والجِمال» إلى وسيلة ضغط يومية، يقودها مستوطنون إسرائيليون مراهقون، فى محاولات استفزازية ممنهجة، لدفع أصحاب الأرض من الفلسطينيين إلى الرحيل القسرى، ومغادرة منازلهم وبلدانهم.

مع كل صباح، يهبط المستوطنون من التلال، التى أقيمت عليها البؤر الاستيطانية، يقودون قطعانهم من الماعز باتجاه القرية، متعمدين إدخالها بين الأكواخ والخيام وحظائر الماشية، فى رسالة واضحة إلى سكان القرية: «الأرض لم تعد لكم، والوجود هنا أصبح محفوفاً بالمخاطر»، وتعتبر صحيفة «الجاديان» أنه أمام هذا الواقع المتكرر، يعرف سكان القرية أن أى محاولة للمواجهة المباشرة مع هؤلاء اليهود المتطرفين، قد تتحول إلى كارثة، فأى اعتراض بسيط من فلسطينى قد يستدعى الجيش أو شرطة الاحتلال، لتبدأ سلسلة مصادرات واعتقالات، قد تنتهى بالاحتجاز الإدارى لشهور أو سنوات دون محاكمة، أو قد تؤدى إلى حدوث اشتباكات دامية.

وأشارت الصحيفة البريطانية، فى تقرير لها، إلى أنه بينما يختار الأهالى «الانسحاب المؤقت» إلى مساكنهم أمام تلك الاستفزازات المتكررة، يظهر مشهد آخر أقل شيوعاً، مجموعات من المتطوعين، بينهم إسرائيليون ونشطاء دوليون، يقفون بأجسادهم العارية من السلاح، للفصل بين المستوطنين والفلسطينيين، فى محاولة لوقف الزحف اليومى، ومنع تحول المضايقات إلى تهجير كامل، وأضافت أنه فى أحد أيام السبت، لم يتجاوز عدد المتطوعين للدفاع عن «رأس عين العوجا» ستة أشخاص، بينهم أربعة إسرائيليين، وخامس مجرى، وسادس أمريكى، اصطفوا حول منازل الفلسطينيين، ملوحين بأذرعهم وأجسادهم، محاولين صد الماعز والجِمال بعيداً عن البيوت، ووصفت المشهد بأنه كان «مواجهة صامتة» تُدار بالأعصاب، أكثر مما تُدار بالقوة.

«الجارديان»: قطعان «الماعز» سلاح المستوطنين لإجبار أصحاب الأرض فى «غور الأردن» على مغادرة بلدانهم للنجاة

نقلت «الجارديان» عن «أمير بانسكى»، لواء متقاعد فى جيش الاحتلال وأحد المتطوعين، قوله إن المستوطنين يسعون لاستفزاز الفلسطينيين لدفعهم للرد، لأن أى رد فعل سيمنح الجيش والشرطة الذريعة لاجتياح القرية، واعتقال سكانها، وأضاف: «وجودنا يشكل درعاً وقائياً، نضع أنفسنا بين المستوطنين والفلسطينيين لكسر هذه الحلقة»، لكن المواجهة تتجاوز مجرد ردع الماعز والجِمال، فكل خطوة دفاعية يقابلها المستوطنون المتطرفون، غالبيتهم من «المراهقين»، بمحاولات التفاف هجومية، يقترب الفتية من المتطوعين إلى مسافة سنتيمترات، يصرخون، يلوحون بالعصى، ويحاولون كسر التوازن النفسى، فى المقابل، يوثق المستوطنون كل لحظة عبر هواتفهم، بينما يرتدى المتطوعون كاميرات مثبتة على أجسادهم، كوثيقة دفاعية ضد أى ادعاءات بالاعتداء، لتتحول المواجهة إلى ما يشيه «لعبة شطرنج حية»، تُستخدم فيها الحيوانات بدل القطع، لكن العبثية الظاهرة تخفى جدية قاتلة، ففى ذروة الاشتباك، فاجأ المستوطنون الجميع بدفع نحو 50 جملاً من الطرف المقابل للقرية، فى هجوم منسق، أربك المدافعين، وأجبرهم على الانقسام، لمواجهة الخطر الجديد.

وبحسب تقرير الصحيفة البريطانية فإن خطورة هذه الاستفزازات لا تقتصر فقط على ما يقوم به هؤلاء المراهقون، بل تمتد إلى البنية الأوسع التى تقف خلفهم، فالمراهقون يحملون عصياً وهراوات، على استعداد لاستخدامها، فيما يقف خلفهم عشرات المستوطنين أكبر سناً، بعضهم مسلح بأسلحة نارية، فى انتظار أى احتكاك بين الجانبين للتدخل وإشعال الموقف، مشيرةً إلى أنه فى مطلع ديسمبر الجارى، تعرض مقر المتطوعين الدوليين فى القرية لهجوم باستخدام «رذاذ الفلفل»، فى رسالة واضحة بأن الوجود التضامنى نفسه أصبح هدفاً.

فى أحد الأيام، شوهد رجل يرتدى زياً بنياً ويحمل بندقية هجومية، يسير بجوار رعاة الماشية، لاحقاً تعرّف نشطاء إسرائيليون عليه باعتباره منسق الأمن فى مستوطنة قريبة، وهو منصب رسمى يتلقى صاحبه راتباً وسلاحاً من الحكومة، ليعكس وجوده الصلة المباشرة بين المضايقات اليومية والسياسات الرسمية، الرامية لفرض واقع جديد فى الضفة الغربية، كما أن بعض المستوطنين لا يخفون نواياهم لإجبار سكان الأرض على الرحيل، منهم «ليف تعور»، أحد الشبان من المستوطنين الرعاة، قال بوضوح إن هدفه من إدخال قطيعه إلى القرية هو «طرد هؤلاء الناس»، تصريح يلخص واقع سكان «رأس عين العوجا» منذ سنوات، لكنه ازداد حدة بعد اندلاع «حرب غزة»، وتسارع الاستيلاء على الأراضى الفلسطينية.

اليوم، يعيش نحو 700 فلسطينى محاصرين داخل مساحة ضيقة من الأكواخ والخيام الممتدة على طول مجرى مائى صغير، لم يعد بإمكانهم الرعى بحرية، ولا الوصول إلى النبع القريب، الذى يعد بمثابة «شريان» حياتهم، وصف «نائف جعالين»، أحد السكان الفلسطينيين، التحولات القاسية التى تشهدها المنطقة نتيجة استفزازات المتطرفين اليهود.

وأضافت «الجارديان» أن هؤلاء المتطوعين ليسوا كتلة واحدة، بل خليط من شبان وكبار سن، إسرائيليين ودوليين، تجمعهم قناعة بأن ما يحدث يحتاج إلى حضور جسدى، لا بيانات إدانة، مشيرة إلى أن غالبية المتطوعين الإسرائيليين، رغم أنهم هاجروا من بلدانهم الأصلية وقدموا للعيش على أراضى الفلسطينيين، ينتمون إلى منظمة معارضة للاحتلال، تسعى لكسر الصورة النمطية، التى تربط الهوية اليهودية بالعنف، بعضهم ضباط سابقون فى الجيش، يرون أن المؤسسة العسكرية تحولت من قوة دفاعية، إلى شريك فى سياسات الإقصاء، أما المتطوعون الدوليون، فقد وصلوا عبر منظمات حماية مدنية غير مسلحة، ونقلت الصحيفة عن إحدى المتطوعات البريطانيات قولها إنها لم تعد قادرة على الاكتفاء بالمشاهدة، إذ ما يحدث يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، وأكدت أن «صمت المجتمع الدولى يزيد شعور الفلسطينيين بالعزلة».

واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إنه رغم الاعتداءات المتكررة على المتطوعين، فإنهم يعتبرونها دليلاً على فاعلية وجودهم، فكلما زادت الهجمات، دلّ ذلك على أنهم يعرقلون مخطط الاستيلاء على الأرض، ومع تصاعد العنف، أصبح واضحاً أن الصراع فى «غور الأردن» لا يدور فقط حول الأرض، بل حول سؤال إجابته معروفة للجميع، مفاده «من يملك الحق فى الوجود على الأرض، ومن يتم دفعه إلى الرحيل فى صمت؟»، ففى قرية «رأس عين العوجا» لا يحمل المتطوعون سلاحاً، ولا سلطة، لكن لديهم أجسادهم العارية وإرادتهم، فى مواجهة مشروع تهجير يستند إلى القوة والترهيب، يصبح هذا الحضور الإنسانى البسيط فعل مقاومة، ومحاولة حقيقية لإبقاء قرية فلسطينية على الخريطة، ولو بخط رفيع من الأجساد.


مواضيع متعلقة