د. منجي علي بدر يكتب: الاقتصاد عام 2025 بين تثبيت الاستقرار وطموح الازدهار
د. منجي علي بدر يكتب: الاقتصاد عام 2025 بين تثبيت الاستقرار وطموح الازدهار
لم يكن عام 2025 عاماً عادياً فى المسار الاقتصادى المصرى، بل مثّل نقطة فاصلة بين مرحلة إدارة اقتصاد الأزمة ومرحلة البحث عن مسار تعافٍ مستدام فى ظل بيئة دولية مضطربة إقليمياً ودولياً، حيث اتسمت بتباطؤ النمو العالمى واستمرار التوترات الجيوسياسية وتشديد الأوضاع المالية، مما جعل قدرة أى اقتصاد ناشئ على الصمود اختباراً حقيقياً لمرونة السياسات وعمق الإصلاحات.
وعلى المستوى الكلى فقد سجّل الاقتصاد المصرى معدل نمو حقيقى تراوح ما بين 4.2% و4.6% مقارنة بنحو 2.4% فى عام 2024، وهو تحسن واضح يعكس عودة النشاط فى بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية، إلا أن هذا النمو ظل دون المعدل الحرج اللازم لامتصاص البطالة الهيكلية وتحقيق تحسن ملموس فى مستويات المعيشة، مما يؤكد أن ما تحقق هو استقرار نسبى.
وكان التضخم المؤشر الأبرز فى معادلة 2025، فبعد أن بلغ ذروته عند مستويات تجاوزت 35% خلال 2023 تراجع إلى نطاق يتراوح بين 11% و13% مع قرب نهاية 2025، وهذا التراجع يعكس نجاحاً واضحاً للسياسة النقدية فى كبح جماح الأسعار واستعادة قدر كبير من الثقة، لكنه لا يعنى عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة، بل تثبيتها عند مستوى جديد، وهو ما يفسر استمرار الضغوط على القوة الشرائية للأسر المصرية، خاصة الطبقة المتوسطة.
وفى المقابل، أسهمت مرونة سعر الصرف وتدفقات التمويل الخارجية فى تعزيز الاحتياطى النقدى الأجنبى الذى اقترب من 50 مليار دولار، مما منح الاقتصاد قدرة أكبر على الوفاء بالتزاماته الخارجية واحتواء الصدمات قصيرة الأجل، غير أن هذا التحسن ظل مدفوعاً جزئياً بتدفقات استثنائية وليس تحولاً هيكلياً كاملاً فى مصادر النقد الأجنبى.
أما على مستوى القطاعات فقد برزت السياحة كأحد أنجح قطاعات 2025 مع نمو قوى فى الإيرادات مدعوماً بارتفاع أعداد السائحين وتحسن الاستقرار النسبى فى الشرق الأوسط، كما شهدت الصناعة التحويلية غير البترولية تعافياً تدريجياً، خاصة فى الصناعات الغذائية والدوائية ومواد البناء، وفى المقابل ظل الأداء الزراعى مقيداً بارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج وتحديات المياه، بينما اتسم قطاع الطاقة باستقرار أكثر من التوسع.
وخريطة المستقبل والقطاعات القائدة المرشحة لقيادة النمو هى: الصناعة التصديرية والسياحة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجيستية والاقتصاد الرقمى والاقتصاد الأخضر.
هذا، ويتطلب تعزيز الصادرات وزيادة الحصيلة من العملة الصعبة دعم سلاسل القيمة المحلية وتحسين جودة المنتج وفتح أسواق جديدة فى أفريقيا وآسيا وربط الحوافز بالأداء التصديرى.
كما شهد الاستثمار الأجنبى المباشر تحسناً كمياً مع تدفقات تراوحت بين 12 و13 مليار دولار (باستثناء الصفقات العقارية)، إلا أن تركيب هذه الاستثمارات كشف استمرار ميلها نحو الاستحواذات على الأصول القائمة أكثر من توجهها نحو إنشاء مشروعات صناعية تصديرية طويلة الأجل، وهذا النمط يحدّ من الأثر التنموى للاستثمار ويقلل من قدرته على خلق فرص عمل مستدامة.
وبخصوص ملف الدَّين العام فقد ظل أحد أكبر التحديات الهيكلية رغم تراجع نسبة الدَّين إلى الناتج المحلى لحوالى 85% وتحسن متوسط آجال الاستحقاق، كما تظل خدمة الدَّين تستنزف أكثر من نصف الإيرادات العامة فى الموازنة العامة، مما يقيّد قدرة الدولة على التوسع فى الإنفاق التنموى.
وفيما يخص البعد الاجتماعى فقد نجحت برامج الحماية الاجتماعية، مثل الدعم التموينى وتكافل وكرامة، فى تحقيق تحسن نسبى لمستويات المعيشة، لكنها لم تكن كافية لتعويض الخسائر التراكمية فى الدخول الحقيقية، فقد ظل تحسن الأجور الحقيقية محدوداً، مما جعل التعافى الاقتصادى أقل وضوحاً فى حياة المواطن اليومية.
وانتقل الاقتصاد المصرى فى 2025 من عدم الاستقرار النسبى إلى منطقة استقرار وانطلاق، وستتوقف المرحلة المقبلة على قدرة الدولة على تحويل هذا الاستقرار إلى نمو إنتاجى شامل تقوده الصناعة التصديرية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجيستية والاقتصاد الرقمى مع تشجيع القطاع الخاص وتحسين جودة الوظائف.
وبالنسبة للمستثمرين فإن مصر لا تمثل سوق مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تظل سوق فرص حقيقية للاستثمار طويل الأجل لمن يعى منطق التحول الهيكلى ويستثمر فى الإنتاج لا المضاربة.
أما للمواطن المصرى فالطريق ما زال طويلاً، لكنه طريق تأسيسى، شرط ألا يتوقف الإصلاح عند حدود تثبيت الاستقرار، بل يمتد إلى تحقيق ازدهار ملموس يشعر به الجميع، وحصاد 2025 ليس نهاية الطريق، بل نقطة عبور حاسمة بين اقتصاد أنهكته الأزمات الإقليمية والدولية واقتصاد يعيد بناء نفسه على أسس أكثر واقعية واستدامة وتنافسية.
هذا، وتشير التوقعات إلى أن عام 2026 سيكون عاماً للتعافى التدريجى المدعوم بالاستقرار للاقتصاد المصرى، وليس عاماً لطفرة سريعة. فمن المنتظر أن يحقق الاقتصاد معدل نمو متوقع بـ5.5% مدفوعاً بتراجع التضخم وتحسن نسبى فى مناخ الاستثمار وزيادة النشاط فى قطاعات السياحة والصناعة والخدمات.