ناصر عبدالرحمن يكتب: قمر

كتب: editor

ناصر عبدالرحمن يكتب: قمر

ناصر عبدالرحمن يكتب: قمر

قمر تسكن روض الفرج، تزرع شجرة جوافة، تُربى إخوتها، خمسة رجال وفتاة، تبتسم عند الزعل وتصمت وقت الصراخ، تحدّثها القطط من شباك المطبخ، فى أحد الأيام تسللت قطة وخطفت دجاجة، جرت خلفها وأوقفتها بالنداء، رأيت القطة تترك الدجاجة، ورأيت قمر تعاتبها والقطة تهز رأسها فى طاعة، تأخذ قمر الدجاجة وتقطع جزءاً منها تطعم به القطة، رأيتها تصنع صينية السمك بالدمعة، ورأيتها تصب الخشاف للجميع، ورأيتها تدمع فى صمت، تربى أولادها بجوار إخوتها، وتسعى بالدجاج فى السطح، تقلب الزبد أمامنا، كل طفل وصبى فى يده رغيف، ينتظر المورتة من رضا قمر.

الشيخ الشعراوى بعد صلاة الجمعة، وشيش الصالة يخفى ذهب الشمس، إلا من شعاع أصفر مدهش يطعم المكان بالنور، يتجمّع الإخوة بجوار أولاد قمر، أمام تليفزيون تليمصر، والكابتن لطيف يعلق على مباراة الأهلى والزمالك، والدى زملكاوى وخالى أهلاوى، وشوارع روض الفرج تنتظر الفرج، من يفوز يتكفّل بالشربات والحلويات، ومن يخسر يتحمّل التحفيل والنكات.

قمر الجمعة غير كل قمر، أحمل طبق ألومنيوم أجرى به بين الشوارع والحارات، حتى أصل إلى السرجة، عسل وطحينة، والعشاء بقايا صالح، الجميع ياكل على طبلية جدى، والجميع يحكى ويشكو ويضحك ويتغافل ويستأنس، والليلة قمر، والصباح سمر، يكبر الصغار ويتزوج إخوة قمر، تربى قمر أولاد إخوتها، وتربى أولاد أولادها، والابتسامة ما زالت، والصمت أمام الصراخ ما زال، حتى سمعت أنيناً مكتوماً يتكرر، كان جرح قمر يشق القلوب، تنقل قمر من مكمنها، إلى مستشفى القلب، أيام وزيارات كان الجميع يغفل أن للقمر دوائر، وأن بدر القمر يغيب كما يظهر، وأن نور القمر فى القلوب لا يخفت، وأن السماء كالبحر، مد وجزر، وأن الجواهر كما تضوى، تخطف الأبصار، ننقل السمر إلى حيث قمر، تشير إلى ابن أختها، تعلم تعلقه بها، تخصه برغيف مورتة، والجميع فى ذهول، كيف تحتفظ برغيف عيش وقلبها يدمى ويئن.

تبتسم كعادتها، وهى تطلب من ابن أختها المخصوص بحبها، أن يذهب إلى النيل القريب، الليل يفيض بعباءة الظلام ويعمّمها، وعينى تنظر إلى النجوم تترجّى الضى، تذكّرت ابتسامة خالتى، فرميت كنزها الخفى فى قلب النيل، رميت كنز خالتى يتلقفه النيل فى حضن خفى، وفى لحظة تتغير الأحوال وتمتزج، النجوم تتلألأ والقمر يبتسم فى أدب، المد يعلو ويفيض النيل، وكلما تتحرك قدمى يربو النيل حولى، جريت تطبع قدمى على طين الشاطئ، والنيل فيضه يغمره، قفزت من فوق أسوار الكورنيش، والنيل يعلو كأنه طير، يعلو.. كأنه سحاب، يتقلّب كأنه صفحات كتاب، عبرت الطريق كأنه ماء بلا سحاب أو كأنه سماء ولا نهر، النيل يتبدّل إلى طريق، حتى لم يعد بيننا حجاب ولا طريق، تمتزج المسافات، والأزمان تتعانق، ويختلط النهر بالسماء، فماً بفم، حباً بحب، صورة بأصل، ويختصر الكلام وتتفتح الحواس وتدرك المعانى، وإذ بالقمر وجه خالتى، وإذ بخالتى كنز يفيض، وإذ بالسابق لاحق يتجلى ويعبر الآتى.


مواضيع متعلقة