مزارع الناموس.. لماذا تطلق الدول ملايين الحشرات في الجو؟

كتب: نرمين عزت

مزارع الناموس.. لماذا تطلق الدول ملايين الحشرات في الجو؟

مزارع الناموس.. لماذا تطلق الدول ملايين الحشرات في الجو؟

داخل مبنى متواضع من الطوب الأحمر في مدينة ميديلين الكولومبية، يعمل علماء لساعات طويلة داخل مختبرات رطبة، يربّون ملايين البعوض بعناية فائقة، تُراقَب هذه الحشرات في كل مرحلة من مراحل حياتها، من اليرقات إلى البعوض البالغ، مع ضبط درجات الحرارة المناسبة وتوفير الغذاء من مسحوق السمك والسكر، بل وحتى الدم.

قد يبدو المشهد أشبه بفيلم رعب، خاصة مع فكرة إطلاق ملايين البعوض في الهواء الطلق، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، فهذه الحشرات لا تُربّى لنشر الأمراض، بل لمكافحتها وإنقاذ حياة الملايين، بحسب مقال كتبه بيل جيتس، عبر موقع «gatesnotes».

ما مزارع الناموس؟

تعتمد «مزارع الناموس» على بعوض مُعدّل بيولوجيًا يحمل بكتيريا طبيعية تُعرف باسم وولباكيا، هذه البكتيريا تمنع البعوض من نقل أمراض خطيرة مثل حمى الضنك، وزيكا، وشيكونغونيا، والحمى الصفراء إلى البشر، وعندما يُطلق هذا البعوض في البيئة الطبيعية، يتزاوج مع البعوض البري، فتنتقل البكتيريا بين الأجيال، ما يؤدي إلى تقليل قدرة البعوض على نقل الفيروسات على نطاق واسع.

وأثبتت الدراسات العلمية فعالية هذه الطريقة بشكل لافت، ففي تجارب أُجريت في إندونيسيا، انخفضت حالات حمى الضنك بنسبة تجاوزت 70%، بينما سجّلت مدينة ميديلين نفسها تراجعًا وصل إلى نحو 90% منذ بدء إطلاق بعوض وولباكيا عام 2015. وتُعد هذه النتائج نقطة تحول في جهود مكافحة الأمراض التي ينقلها البعوض.

ذراع شخص ممدودة تحمل حاوية ناموسية مفتوحة مليئة بالبعوض.

إطلاق بعوض وولباكيا في 11 دولة

ويقود هذه الجهود «البرنامج العالمي لمكافحة البعوض»، الذي ينفذ عمليات إطلاق الناموس وولباكيا في 11 دولة حول العالم، من بينها البرازيل والمكسيك وكولومبيا وأستراليا وفيتنام، ويُعد مصنع ميديلين حاليًا أكبر منشأة لتربية البعوض في العالم، إذ ينتج أكثر من 30 مليون بعوضة أسبوعيًا.

الميزة الأهم في هذه التقنية أنها مستدامة ذاتيًا، فبعد إطلاق أعداد كافية من البعوض الحامل للبكتيريا، تستمر الحماية دون الحاجة لتدخل دائم أو تكاليف باهظة، ما يقلل اعتماد الدول على المبيدات الحشرية ويوفر موارد صحية يمكن توجيهها لأولويات أخرى.

أهمية المزارع

وتزداد أهمية هذه المزارع مع تفاقم آثار التغير المناخي، الذي يوسّع نطاق انتشار بعوضة الزاعجة المصرية، الناقل الرئيسي لحمى الضنك، والتي تصيب سنويًا أكثر من 400 مليون شخص حول العالم. في هذا السياق، لم تعد «مزارع الناموس» فكرة غريبة، بل أصبحت أداة علمية مبتكرة في معركة عالمية لحماية البشر من أمراض قاتلة.