عبدالفتاح علي يكتب: يوسف سلامة حضَّر روح القصبجي.. فمن يصرفها؟
عبدالفتاح علي يكتب: يوسف سلامة حضَّر روح القصبجي.. فمن يصرفها؟
أم كلثوم تاريخ عميق، ومتشابك، لكن الاسم الذى ظل حالة خاصة فيه، كان محمد القصبجى، الذى لا يمكن اختزال شخصيته المعقّدة والمربكة فى ألحان عظيمة فقط، ولا فى مرحلة زمنية عابرة.
القصبجى كان أكثر من عقل موسيقى سابق لعصره، وأكثر من شريك فنى أساسى فى تشكيل الوعى الموسيقى لأم كلثوم، حتى فى اللحظة التى أجبر فيها على «إخماد» حضوره الإبداعى لصالح آخرين.
القصبجى فتح لأم كلثوم أبواب التحديث الحقيقى، وحرّر صوتها «البهى» من القوالب التقليدية الصارمة، و«حاك» لها ألحاناً دافئة مثل «يا صباح الخير، ورق الحبيب، ويا طير»، عندما مزج الروح الشرقية الصافية بالتقنيات الغربية فى الهارمونى والبناء الموسيقى.
لكنه فى الوقت نفسه، عاش مأساة الفنان الذى يسبق زمنه، حين تغيّر ذوق «المستمع»، وفكر «الممتطى»، فاتجهت بوصلة شهوة النجاح إلى ألحان السنباطى وعبدالوهاب والموجى.
ظل القصبجى «المحير» حاضراً بجسد تقوده روحه التواقة للست، عازف عود صامتاً، شاهداً على مجده القديم، دون ضجيج أو شكوى. وهنا تحديداً تكمن عظمة القصبجى الإنسانية: قبول الهزيمة الفنية من أجل بلوته «الحب».
هذه المنطقة الإنسانية شديدة الحساسية هى ما حاولت مسرحية «أم كلثوم.. دايبين فى صوت الست» الخوض فيها «بحساب»، وأبدعوا فيها مرتين، مرة عندما اقتربوا بتدبّر مجهد ومحير من منطقة ملغمة، وهو نجاح يُحسب للمبدع مدحت العدل، ومرة عندما انتقوا قديراً بدرجة فنان، ليُجسد شخصية القصبجى، وهو نجاح يُحسب للمخرج محمد فؤاد.
فى هذا السياق، جاء أداء الفنان يوسف سلامة، الذى قدّم القصبجى بعيداً عن النمط الكاريكاتيرى الذى يقع فيه كثيرون عند تجسيد شخصيات تاريخية، فزاد من حيرة المتفرج الذى وقع فى متاهة الارتباك فى رؤية الحد الفاصل بين القصبجى «المبدع المجروح» وسلامة «الفنان الصنايعى».
يوسف سلامة لم يلعب القصبجى بوصفه «الملحن المنكسر» فقط، بل بوصفه فناناً واعياً بحجم خسارته، ومتقبّلاً لها فى صمت موجع. اعتمد فى أدائه على الاقتصاد فى الحركة، والنبرة الهادئة، والنظرة التى تحمل أكثر مما تقوله الكلمات، وهو اختيار ذكى يتناسب مع شخصية القصبجى الحقيقية، التى عُرفت بالتحفّظ والرقى. لم يبالغ فى استدرار التعاطف، ولم يحوّل الشخصية إلى ضحية سهلة، بل حافظ على كرامتها الداخلية، وهو أمر نادر فى مثل هذه الأعمال.
يُؤخذ على المسرحية أنها انشغلت بالحنين أكثر من الدراما، وبالاستعراض الغنائى أكثر من تعميق الصراع الإنسانى، فلم أشعر بأن أحداً حصل على مساحة كافية، حتى أم كلثوم نفسها، فكثير من محطات «الست» كانت تحتاج إلى كثافة أكثر، وأن تترك مساحة للصمت والدلالة بدلاً من المباشرة. لكننى فى الوقت نفسه أجد العذر لصناع العمل، فثلاث ساعات «ممتعة» لا تكفى، حتى إن حظيت بمؤثرات تقنية جيدة.
ومع ذلك، يظل دور يوسف سلامة نقطة توازن مهمة داخل العرض، أعاد من خلالها الاعتبار إلى شخصية تاريخية غالباً ما ظُلمت لصالح السرديات الأكثر صخباً، ولا أُقلل هنا من دور عماد إسماعيل أو أسماء الجمل أو سعيد سالمان أو هدير الشريف، الذين «اتحفونا» ببراعة شجية.
فى النهاية، نجح يوسف سلامة فى تحضير روح القصبجى، ولا أعرف كيف أصرفها من عقلى، فهو لم يكن مجرد صفحة مطوية فى تاريخ أم كلثوم، بل جرحاً جميلاً فى ذاكرتها الفنية، وصوتاً خافتاً ساهم فى صنع أعظم صوت عرفه الغناء العربى.