د. نظير محمد عياد مفتى الديار المصرية يكتب: الشيخ «الطيب».. الإمام الذى صار ضمير أمة
د. نظير محمد عياد مفتى الديار المصرية يكتب: الشيخ «الطيب».. الإمام الذى صار ضمير أمة
ليست الأعمار فى منطق التاريخ أرقاماً تُحصى، وإنما هى معانٍ تُستقرأ، وتجارب تُوزن بميزان الأثر، وقامات تُقاس بما تركته فى الوجدان الجمعى من بصيرة وطمأنينة، وحين يبلغ المرء منا الثمانين من العمر، لا يكون السؤال كم عاش المرء؟ بل كيف عاش؟ وماذا أضاف لنفسه وللإنسانية من حوله؟ فهناك أعمار تمرُّ عابرة، وأعمار تتكاثف فيها الحكمة حتى تصير نوراً يُهتدى به فى دروبٍ الْتبست فيها الاتجاهات، واختلطت فيها الأصوات، وحين يبلغ سيدى وإمامى حضرة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، عامه الثمانين، نقف أمام تجربةٍ فريدة، لا تُختزل فى سيرة عالمٍ أو مسيرة إمام، بل تمتد لتكون أنموذجاً للقيادة الدينية الرشيدة، التى جمعت بين أصالة المرجعية، ووعى العصر، ورحابة الأفق الإنسانى.

ثمانون عاماً تشكَّلت فيها شخصية الإمام الطيب فى تفاعلٍ عميق مع العلم، بحسبانه بناءً أخلاقياً وعقلياً للإنسان، فقد أدرك مبكراً أن العلم الذى لا يُثمر حكمةً، ولا يُهذِّب ضميراً، قد يتحوَّل من نعمة إلى عبء، ومن نور إلى أداة الْتباس، ومن هنا جاءت مسيرة فضيلته العلمية شاهدة على عقلٍ فلسفى، وروحٍ أزهرية، ونَفَسٍ إنسانى فسيح، وحين تولَّى فضيلته مشيخة الأزهر، كان العالم يمرُّ بمرحلةٍ دقيقة، تتنازعها قراءات متطرفة للدين، ونزعات إقصائية للهُويَّة، ومحاولات حثيثة لاختزال الإسلام فى صورٍ مشوَّهة، لا تمتُّ إلى جوهره بصِلة، فكان الإمام الأكبر صوت العقل فى زمن الانفعال، وصوت الاتزان فى زمن الاستقطاب، وصوت المقاصد فى زمن التعلُّق بظواهر النصوص دون فقهٍ أو بصيرة، لقد قدَّم فضيلته أنموذجاً للثبات دون جمود، والانفتاح دون تفريط، والاعتزاز بالهوية دون تعالٍ، فكان الأزهر فى عهده منارةً عالميةً للحوار، وجسراً للتواصل بين الأديان والثقافات، من موقع الوعى العميق بالذات، والإيمان الصادق بأن التعارف الإنسانى فريضة حضارية قبل أن يكون خياراً سياسياً، ولعلَّ من أبرز ما يميِّز تجربة الإمام الأكبر، إيمانه الراسخ بأن تجديد الخطاب الدينى لا يكون بهدم الثوابت، ولا بمجاراة الصيحات الفكرية الطارئة، وإنما يكون بإحياء العقل الاجتهادى، وردِّ النصوص إلى مقاصدها الكبرى، وربط الدين بحاجات الإنسان المعاصر، دون إخلالٍ بجوهره أو رسالته، وهو منهجٌ دقيق، لا يقدر عليه إلا من جمع بين رسوخ القَدَم فى العلم، وسَعة الأفق فى الفهم، ونزاهة المقصد فى العمل، وإذا ما تطرقنا إلى الجانب الإنسانى فى حياة الإمام الطيب وجدناه يمثل ضميراً حياً للأمة من خلال مواقفه الأخلاقية تجاه قضايا العالم الكبرى؛ فدافع عن إنسانية الإنسان وكرامته بغض النظر عن دينه ولونه وجنسه، كما رفض توظيف الدين فى الصراعات السياسية، وواجه خطاب الكراهية والعنصرية والإسلاموفوبيا بالحكمة والبيان، لا بالصدام ولا بالانكفاء على الذات والانزواء فى كهفها الضيق، وإذا كان السلام فى عالم اليوم قد صار شعاراً مرفوعاً أكثر منه ممارسةً صادقة، فإن الإمام الطيب قد أعاد إليه معناه الأخلاقى ورده إلى بُعده الإنسانى العميق، حين جعله ثمرةً للعدل، ونتاجاً للتعايش، لا مجرد هدنةٍ بين صراعاتٍ مؤجلة. لقد خاض فضيلة الإمام معركة السلام من موقع القائد المسئول الذى يدرك أن الحروب لا تبدأ فى ميادين القتال، بل فى ميادين العقول حين تُختطف فتضل، وفى القلوب حين تُحرَّض فتجهل، وفى النصوص حين تُقتطع من سياقاتها وتُحمَّل ما لا تحتمل، ومن هنا جاء جهده العالمى فى تفكيك خطاب العنف عبر بناء خطابٍ وسطى مستنير، يستند إلى أصول علمية راسخة، ويُخاطب الضمير الإنسانى بلُغة مشتركة، من خلال مشاركاته المتواصلة فى المحافل الدولية، مقدماً أنموذجاً لِدَور العالِم المسلم الذى لا ينكفئ على ذاته، ولا يذوب فى غيره، بل يحمل رسالته بثقة العالم، وحكمة الفيلسوف، ونَفَس المُصلِح، ولم يكن انشغال الإمام الأكبر بالسلام العالمى انفصالاً عن هموم أمَّته، بل كان امتداداً طبيعياً لها؛ إذ أدرك أن كرامة الأمة تُصان حين تمتلك خطاباً أخلاقياً قادراً على مخاطبة العالم على اختلاف أعراقه وأجناسه وطبائع مجتمعاته، والدفاع عن قضاياه العادلة، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية التى ظلَّ فضيلته حاضراً فيها بوضوح الموقف، وثبات الرؤية، رافضاً كل أشكال الظلم والازدواجية فى المعايير.
إن احتفاءنا ببلوغ الإمام الطيب عامه الثمانين ليس احتفاءً برمز كبير، بقدر ما هو احتفاءٌ بقيمةٍ نادرة فى زماننا، قيمة العالِم الذى لم يغره المنصب، ولم تستهلكه الأضواء، ولم تُبدِّل مواقفه تقلبات السياسة، بل ظلَّ وفياً لمنهج الأزهر الوسطى، حريصاً على استقلال كلمته، ومدركاً لمسئوليته التاريخية أمام الله وأمام الأمة.
نسأل الله تعالى أن يمدَّ فى عمر فضيلته، وأن يُلبسه ثوب الصحة والعافية، وأن يبارك فى علمه وأثره، وأن يبقيه سنداً للحكمة، ورمزاً من رموز الإسلام العظام.