د. أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة يكتب: «فاروق حسنى».. وزير الثقافة الذى أعاد تعريف الدور

كتب: محرر

د. أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة يكتب: «فاروق حسنى».. وزير الثقافة الذى أعاد تعريف الدور

د. أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة يكتب: «فاروق حسنى».. وزير الثقافة الذى أعاد تعريف الدور

فى مرحلة فاصلة من عمر الوطن، جاء تولى الوزير الفنان فاروق حسنى مسئولية وزارة الثقافة، فى لحظة دقيقة من تاريخ مصر، وطن خرج منذ بضع سنوات من حرب مفصلية، ويشرع فى بناء جديد، وسط تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية معقدة، وصراعات فكرية. كانت مصر آنذاك فى حاجة إلى خطاب ثقافى مختلف، وإلى رؤية تتجاوز المفهوم التقليدى للإدارة، لتستعيد الثقافة دورها كقوة ناعمة قادرة على التشكيل والتنوير وبناء الوعى.

فى هذا السياق، جاء فاروق حسنى ليكمل مسيرة آباء الثقافة المؤسسين، لكنه لم يكتفِ بالسير فى الطريق ذاته، بل راح يضع رؤية جديدة، لا بعين الفنان وحدها، بل بروح شاب يؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، وإنما ضرورة وطنية، وركيزة أساسية من ركائز التنمية الشاملة.

لقد أدرك فاروق حسنى منذ اللحظة الأولى أن الثقافة لا يمكن أن تبقى حبيسة النخب أو محصورة داخل أسوار العاصمة، فكانت فلسفته الجوهرية قائمة على إتاحة الثقافة، والعدالة الثقافية، والوصول إلى المواطن أينما كان. استخدم أدوات عصره، وراح يعيد ترتيب دور مؤسسات وزارة الثقافة، ومن هنا كانت الانطلاقة فى المحافظات والقرى والنجوع، لتصبح الثقافة جزءاً من الحياة اليومية للمصريين، لا مناسبة عابرة أو حدثاً موسمياً.

وإذا كان فاروق حسنى فناناً تشكيلياً كبيراً قبل أن يكون وزيراً، فإن هذه الخلفية الفنية انعكست بوضوح على رؤيته للثقافة، باعتبارها مجالاً مفتوحاً للتجريب والاختلاف والحوار. فقد آمن بالتعدد، واحتفى بالتنوع، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتعبير عن نفسها، دون وصاية أو قوالب جاهزة، مؤكداً أن الإبداع لا يزدهر إلا فى مناخ من الحرية والمسئولية معاً.

كما شهدت المؤسسات الثقافية فى عهده حالة من الحراك المستمر، سواء على مستوى المسرح أو السينما أو الفنون التشكيلية أو النشر. وتم إطلاق مهرجانات وملتقيات ثقافية وفنية ذات طابع دولى، أسهمت فى إعادة مصر إلى موقعها الطبيعى كقلب نابض للثقافة العربية، وجسر للتواصل الحضارى مع العالم.

وفى مجال التراث، أولى فاروق حسنى اهتماماً خاصاً بحماية الموروث الحضارى المصرى، إدراكاً منه بأن التراث ليس ماضياً جامداً، بل ذاكرة حية تشكل الحاضر وتؤسس للمستقبل. فتم دعم المتاحف، والتوسع فى إنشائها، وترميم الصروح الأثرية والتراثية من العصر المصرى القديم وحتى العصر الحديث، وتطوير آليات العرض، وربط التراث بالسياحة الثقافية، بما يعزز من قيمة مصر الحضارية والإنسانية، ويصون هويتها فى مواجهة تحديات العولمة.

ولم يغفل الوزير الفنان عن البعد الدولى للثقافة، فعمل على تعزيز حضور مصر فى المحافل الثقافية العالمية، مؤمناً بأن الثقافة هى اللغة الأقدر على بناء الجسور بين الشعوب. وقد ساهم هذا التوجه فى ترسيخ صورة مصر كدولة صاحبة تاريخ عريق، وحاضر متجدد، وقدرة دائمة على الإسهام فى المشهد الثقافى العالمى.

إن تجربة فاروق حسنى فى وزارة الثقافة تمثل نموذجاً فريداً لالتقاء الإبداع بالإدارة، والرؤية الفنية بالتخطيط الاستراتيجى. فقد كان وزيراً لا يدير الثقافة من خلف المكاتب، بل يعيشها، ويدافع عنها، ويؤمن بها كحق أصيل لكل مواطن. وهو ما جعل أثره ممتداً، يتجاوز سنوات توليه المنصب، ليظل حاضراً فى الذاكرة الثقافية المصرية. واليوم، ونحن نستعيد هذه التجربة، فإننا نستدعى درساً مهماً فى كيفية إدارة الشأن الثقافى، يقوم على الإيمان بالإنسان، واحترام العقل، والانحياز للجمال بوصفه قيمة قادرة على مواجهة القبح والتطرف والجمود. لقد كان فاروق حسنى شاهداً وصانعاً لمرحلة، وستظل تجربته علامة فارقة فى تاريخ الثقافة المصرية الحديثة.