المغدورون السبعون
سبعون من قرّاء القرآن الكريم أرسلهم نبى الله، صلى الله عليه وسلم، لدعوة أهل نجد إلى الإسلام، وصلوا إلى منطقة «بئر معونة» وعسكروا هناك، وبعثوا واحداً منهم -وهو حرام بن ملحان- بكتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عامر بن الطفيل سيد «بنى عامر» من أهل نجد، فوثب هذا الخائن على «حرام» فقتله، وأخذ يستصرخ ويحرض «بنى عامر» على القراء السبعين فرفض «بنو عامر» الاستجابة له، احتراماً لجوار «أبى براء» لهم وحمايته إياهم، فما كان منه إلا أن ذهب إلى «بنى سليم» ونادى فيهم بالخروج لقتل وفد النبى فاستجابوا له، فى التوقيت نفسه كان المؤمنون السبعون قد استبطأوا «حرام» فتحركوا إليه، لكنهم فوجئوا بـ«بنى سليم» يقطعون عليهم الطريق، ويحيطون بهم من كل اتجاه، هنالك أحسوا بأنهم باتوا فى عداد الشهداء، فنظروا إلى السماء، وهتفوا قائلين: «اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك فأقرئه منا السلام».
شاء الله أن يموت السبعون بطلاً إلا واحداً هو «عمرو بن أمية».
لم يحزن النبى فى مشهد من مشاهد السيرة العطرة كما حزن فى هذا المشهد، حين أتاه خبر مقتل رجال «بئر معونة». يقول «ابن سعد» صاحب «الطبقات»: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عمل أبى براء، قد كنت لهذا كارهاً، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلتهم فى صلاة الصبح فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر.. اللهم سنين كسنى يوسف.. اللهم عليك ببنى لحيان وعضل والقارة وزغب ورعل وذكوان وعصية فإنهم عصوا الله ورسوله، ولم يجد (يحزن) رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قتلى ما وجد (حزن) على قتلى بئر معونة».
لقد ظل النبى صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً يقنت فى صلاة الصبح ويدعو على قتلة رجال بئر معونة، ولم يحزن على قتلى فى سبيل الله كما حزن على هؤلاء الرجال، ويذكر صاحب «الطبقات» أن ثمة آية قرآنية نزلت فى أصحاب بئر معونة تقول: «بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه»، وأن المسلمين ظلوا يقرأون بها زمناً حتى نُسخت.
لقد كان حزن النبى على هؤلاء الشهداء عظيماً، وينقل صاحب «الطبقات»: «أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم قال سمعت أنس بن مالك قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة».
وربما كان سر حزن النبى على هؤلاء الشهداء -والله أعلم- عملية الغدر التى تعرضوا لها، إذ لم يكونوا محاربين بل دعاة إلى الله، وكان النبى غير مطمئن إلى إرسالهم إلى أهل نجد رغم تأكيد «أبى براء» له أنه سوف يجيرهم ولن يقترب منهم أحد، وقد رفض «بنو عامر» بالفعل الاعتداء عليهم احتراماً لتعهد «أبى براء»، لكن «بنى سليم» لم يمتثلوا وغدروا بهم.
بقدر ما أخلص القائد -نبى الله صلى الله عليه وسلم- لرجاله أخلص له رجاله، وبقدر حبه لهم وعطفه عليهم أحبوه وفاضت قلوبهم بالمودة نحوه، وكان اسمه الشريف آخر ما ورد على لسان شهداء بئر معونة قبل أن يلاقوا وجه ربهم.