عبدالرحمن مقلد: الإبداع «المصل» المضاد للتطرف.. ويُحصن الشباب من الوقوع في بئر الإرهاب
عبدالرحمن مقلد: الإبداع «المصل» المضاد للتطرف.. ويُحصن الشباب من الوقوع في بئر الإرهاب
حوار سيد العديسى.. تصوير محمد ليل
اللافت أن كل الجوائز التى حصل عليها الشاعر الشاب عبدالرحمن مقلد كانت مصرية خالصة، وكأنه يؤمن بأن التقدير من هذا البلد هو التقدير الأسمى، مهما كانت القيمة المادية للجائزة، وذلك فى الوقت الذى يتهافت فيه كثيرون على جوائز أخرى غير مصرية، حتى لو اضطروا لتقديم تنازلات على حساب إبداعهم وتجاربهم الأدبية، وإلى نص الحوار.
■ حصلت مؤخراً على جائزة مكتبة الإسكندرية للمبدعين الشباب فى الشعر.. حدثنا عنها وعن شعورك وأنت أول شاعر يحصل عليها!
- لا أخفى مدى سعادتى وفخرى بارتباط اسمى بالجائزة والدورة الأولى منها. فمنذ الإعلان عن المسابقة، وأنا أشعر أنها تناسبنى. ومع إحجامى عن التقدم لأكثر الجوائز التى لا تتوافق مع أفكارى وكتاباتى، سعيت لجائزة مكتبة الإسكندرية إيماناً بأن المسابقات التى تقدمها المؤسسات المصرية يجب أن تنحاز للقيمة والحداثة والإبداع.
الحضارة المصرية رسالة سلام إلى البشرية وتراث بشرى معنى ومبنى كان لا بد أن يُحفظ ويُقدم بالشكل اللائق به
سبق لى وفزت بكافة الجوائز العُمرية التى تقدمها الثقافة المصرية فى مجال الشعر. فزت أولاً بجائزة قصور الثقافة لأفضل ديوان عن ديوانى الأول «نشيد للحفاظ على البطء» وكانت بمثابة اعتراف أول وعلامة على البداية، ثم فزت بجائزة المجلس الأعلى للثقافة ثم جائزة الدولة التشجيعية عن ديوانى «مساكين يعملون فى البحر»، وكانت لحظة اعتراف وثقة فيما أكتب، وهكذا كانت تصنع لى الجوائز المصرية المسار والحماية، تمنحك التقدير والاعتراف والوعد بالمزيد من الكتابة دون الالتفات لإغراءات وجوائز تمنحها جهات لا تؤمن بالتطور والحداثة وتمجد النص التقليدى المستنسخ والمتأخر إبداعياً وفكرياً وللأسف تجتذب العقول والطاقات الإبداعية إلى التكلس والسقوط فى فخ خيانة النص.
سبب آخر لسعادتى بالفوز بجائزة مكتبة الإسكندرية، أنها تُمنح من أقدم صرح ثقافى فى العالم.. وأن اسمى سيرتبط به، كما أن على رأس الشخصيات الأساسية الحاضرة فى الديوان الفائز «رأى وتكلم» شخصية «هرمس»، الحكيم المصرى الذى عاش فى الإسكندرية فى القرن الثانى الميلادى، وفيها دوّن متونه التى خصصها لسرد حكاية مصر ومكانتها فى الكون، بوصفها صورة السماء والأرض التى اختارها الله لتكون مهد الحضارة وحامية القيم البشرية ومعلمة الإنسانية الكتابة والمعرفة والعلوم. لذا شعرت أن فوز الديوان تحية لـ«هرمس» وطمأنة على أن وصاياه للمصريين بحفظ بلادهم والإيمان بها لا تذهب هباء.
■ حدثنا عن الديوان الفائز «رأى وتكلم» واستحضارك للرموز التاريخية فى الواقع.
- يدور الديوان الذى يتكون من 3 قصائد طويلة حول شخصية مصر كما قلت بوصفها مركز الكون وصورة السماء. لم أقصد لكتابة قصائد وطنية رنانة تمجيدية.. لكنى استحضرت عدداً من الشخصيات التاريخية التى ارتبطت بالوجدان المصرى.. وشكّلت الهوية الوطنية وصنعت معنى هذا البلد وقمته.. حضر «حورس» رمزاً للقوة والفتوة الذى خاض الحرب ضد الفوضى والكره وانتصر لقيم العدل والحق.. حضرت إيزيس الأم التى حمت ميراث الأمومة فى مصر الأم وحافظت على ابنها حتى شبَّ واستعاد ملك مصر متكبدة فى ذلك المشقة والخوف، حضرت السيدة زينب التى مجّدها المصريون بوصفها رئيسة الديوان.. هنا تحضر قيمة المرأة التى طالما عرفتها الحضارة المصرية وتفردت بمنحها دورها كأم وزوجة وحاكمة لها كيانها ويطيعها الجميع. حضر كذلك «هرمس» بوصفه رمز الحكمة والتفكير الانتقادى الحر والرأى السديد والرشيد حارس الهوية المصرية. وتحتفى القصيدة الأولى «السفينة» برحلة رأس الحسين بن على إلى مكان دفنه فى مصر المحروسة وتقدم المسيرة التاريخية لهذا الرأس الشريف منذ خروج صاحبه من المدينة إلى كربلاء ثم دمشق ثم عسقلان وصولاً إلى استقرارها فى القاهرة حيث كُرم وعاش فى الوجدان المصرى حامياً لمصر ومتربطاً بأهلها يقصده المظلومون وأصحاب الحاجات فيكون سنداً لهم.
■ كيف تُقيّم السنة التى حكمت فيها جماعة الإخوان مصر؟
- سنة سوداء، الحمد لله أن البلاد برأت منها. هذه الجماعة التى نهبت أحلام الشعب المصرى فى الحرية وانقضّت على ثورته النبيلة ولم ترد إلا مصالحها الضيقة ولم تراهن إلا على العنف وبث الفتنة واستخدام الشعارات الدينية وقتما تشاء، فكان سقوطها حتمياً لأنها لم تفهم طبيعة هذا الشعب وارتباطه بوطنه ومدى استعداده للتضحية فى سبيل وحدته وحمايته.
■ وما الذى يتوجب فعله كى نحافظ على النشء ونحميه من الأفكار الهدامة؟
- الأفكار الهدامة التى يظن حاملوها أنها من الإسلام وهو منها براء كلفت الأمة غالياً وأوقفت مشروعات التحديث والتطور وجذبت العالم العربى والإسلامى إلى الخلف.. علينا أن نفطن إلى هذه الأفكار وهى فى مهدها.. ونتصدى لها بالفكر والنقاش الحر، بإشاعة مناخ الحرية والقراءة والتفكير النقدى وتشجيع نشر الفنون والمعرفة.. هذه الأفكار لا يمكن أن تنمو فى جو حر قائم على حماية الإبداع وتشجيع الفن.
مصل التطرف والتشدد هو الفن.. ولا علاج لهذه الآفات إلا بنشر الثقافة والفن عبر المؤسسات المنوط بها ذلك مثل المدارس وقصور الثقافة والمكتبات العامة ومراكز الشباب.. أين المسرح المدرسى، أين غرف الموسيقى وحصص الرسم؟.. هذه ليست رفاهيات هى أساسيات لا بد أن تعود إلى التعليم الأساسى.
■ ترى أن للشاعر والمثقف دوراً، لماذا فى رأيك لم نعد نرى وجوداً حقيقياً للكتاب والمثقفين؟
- للكتاب والمثقفين أدوار عدة وليس دوراً واحداً.. دورهم أولاً أنهم ضمير أمتهم وحراس هويتها وحماة مدنيتها وقيمها وتراثها. كما أن إنتاج الأدب الجديد والثقافة الطليعية والأفكار التى تنظر للمستقبل دور يجب ألا يتخاذل عنه الكاتب ولا يجبن فالمثقف طليعى بطبعه. ينظر للأمام إلى الإبداع، يتبنى الحداثة والمغامرة. دور آخر للمثقف العضوى أن يشجع على نشر الثقافة والقراءة والنشر.
فى هذا الزمن الذى نعيش سيولته ونرى ما تفعل السوشيال ميديا ومواقع النشر السريع والتيك توك والتصفح السريع من نشر التفاهة وتعميم الشخصية الجوفاء يكون للكاتب والمثقف دور أكبر فى التصدى لموجات التفاهة بنشر الوعى والفكر واستعادة التراث والتحفيز على قراءة التاريخ والمتون الثقافية لكى لا تضيع أمام الطوفان الذى يغرق كل جاد فى سيول من التفاهات.
■ ماذا فعلت بنا السوشيال ميديا.. ماذا صنعت بالشعر والفن؟
- لا يمكن إغفال الزمن الذى نعيشه وطبيعته وتطوره الفائق.. نحن محظوظون بالتطور والتقنية التى وفّرها عقل الإنسان شرط ألا تكون على حساب وجدانه ولا تدمر طبيعته البشرية. السوشيال ميديا وثورة الاتصالات وفّرت لنا عالماً بين أيدينا.. ما كنا نبحث عنه لشهور يأتى الآن فى ثوانٍ.. هذه ميزة كبرى لكن عيبها أنها شتتت عقل الإنسان ووفرت له من المغريات ما جعله يفقد معنى الوقت وقيماً مثل التأمل والتلاقى البشرى ومساحات النقاش والجدال والاستمتاع بالطبيعة والهدوء.
نحن نعيش عصر خواء تتبدد كل طبيعة الفنون الجادة لصالح مقاطع الفيديو السريعة وثقافة الوجبات السريعة.. لم يعد يحصل الكثيرون على المعرفة من الكتب والأصول والمتون والمصادر إنما من فيديو قصير أو بحث سريع على محركات البحث.
أما عن الكتابة فأرى أنها بالطبع تتأثر بطابع زمنها. ويجب أن تكون كذلك.. ولكن لكون الأدب حميمياً بطبعه ومقاوماً ومحفزاً على الإنسانية، فكثير من النصوص بالتأكيد تحفز الحواس والعقول والوجدان على مقاومة سيولة زمننا لصالح التلاقى وتمكين قيم الحب والشفقة وامتداح الضعف والحاجة للآخر والألفة بين الناس.
■ كيف تقرأ المشهد الشعرى المصرى الآن، بالأخص بين الجيل الجديد من المبدعين؟
- لدينا ثراء وتنوع غير مسبوقين.. لدينا أجيال متعددة تكتب كل أشكال القصيدة سواء العمودية أو قصيدة التفعيلة أو النثر أو العامية بكافة تنوعاتها.. لدينا كم كبير من الشعراء المميزين أصحاب التجارب المختلفة. فقط ينقصنا المتابعة والرصد. كنت مشاركاً فى مهرجان شعرى أخير، واستعجبت من كم الإبداع المختلف بين الشعراء الحاضرين.
■ الوسط الأدبى يتحين وجود صراع بين النص الحديث والنص التقليدى يستعين فيه القديم بإمكانيات كبيرة تأتى من الخليج رعاة الشعر التقليدى، فما قولك؟
- نعم هذا صحيح بشكل كبير، ولكن ليس الخليج كله، هناك من مؤسسات الخليج ما يدعم الفكر والإبداع الحر، وإنما القصد مؤسسات معينة تمنح جوائزها واهتمامها للنص التقليدى والكتابة لغرض معين وفى شكل معين.. للأسف شئنا أو أبينا ستجتذب مسابقات هذه المؤسسات المتأخرة ومكافآتها الشعراء والأدباء الشباب تحت ضغط الظروف لكتابة ما تريده من نصوص ميتة ومتشابهة وتندرج تحت الأغراض القديمة من الشعر التى تجاوزها الزمن.. أثر ذلك أنه سيخلق أجيالاً من المرتزقين الذين يهدرون مواهبهم فى كتابة نصوص مستنسخة لا تنتمى للحداثة ما سيدفع العقل العربى لمزيد من الكسل والتكلس.
■ عشنا منذ فترة قريبة افتتاح المتحف الكبير، فما رؤيتك لذلك؟
- كانت لحظة فارقة، أبهرت بها مصر العالم.. رأيت الكثير من الأصدقاء والكتاب العرب وهم ينظرون بانبهار ويغبطون مصر والمصريين على المتحف وعلى فخرهم وحرصهم على حضارتهم ورسالتها السامية.
الحضارة المصرية رسالة سلام إلى البشرية، لا تخص مصر وحدها ولكنها تراث بشرى معنىً ومبنى كان لا بد أن يُحفظ ويُقدم بالشكل اللائق به.
الحفاظ على القوة الناعمة
الحفاظ على القوة الناعمة والرسالة الحضارية والثقافية المصرية واجب الحكومة والشعب على السواء.. الثقافة ليست رفاهية أو وجاهة ولكنها شرط الحياة والتحضر والتمدن. دون ثقافة تفقد مصر كثيراً من وجودها ومعناها.. لا بد من الإيمان باحتياجنا الحيوى للثقافة واحترام قيم المعرفة وحرية الإبداع والكتابة والفن.. وعلى الحكومة ممثلة فى مؤسساتها مسئوليات جسام للنهوض بالثقافة المصرية وإنقاذها من السقوط فى البيروقراطية أو التبعية لدول وجهات تدفع وتملك المال وتريد نهب الدور المصرى ونهب التراث المصرى أو هدمه وبناء أمجاد زائفة عليه. كما يجب أن ننتبه إلى أن السينما والمسرح والشعر والغناء هى المجال الذى يجب أن يجذب شبابنا وأطفالنا ولا يتركهم نهب التطرف أو سرقة الأحلام والأفكار.