الحقيقة الغائبة عن اليمن
إذا أردت أن تبحث عن «حقيقة» ما يجرى فى اليمن، فغالباً لن تجدها فى وسائل الإعلام العربية. وستجد نفسك مضطراً إلى اللجوء لمصادر غير عربية، لا لأنها محايدة بالضرورة، بل لأنها على الأقل أقل تورطاً عاطفياً وأيديولوجياً فى الصراع.
حقيقة مؤسفة ومكلفة، لكنها حتى الآن الحقيقة الوحيدة المتفق عليها بين المتابعين الجادين.
المشكلة لا تتعلق باليمن وحده، بل بسياق أوسع يعود فى جذوره إلى ما بعد سنة 1990، منذ احتلال العراق للكويت، حين فُتح باب الصراعات العربية على مصراعيه، ولم يُغلق حتى اليوم.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الصراعات العربية مجالاً مفضلاً للباحثين المتخصصين فى «الشئون العربية»، لأنها أصبحت كاشفة للمستور، مهدِّدة للخطوط الحمراء، ومحرجة للسرديات الرسمية التى تحرص الأنظمة على ترسيخها.
فى هذا السياق، تحوّل الإعلام العربى من ناقل للخبر إلى طرف فى الصراع، ومن وسيط بين الواقع والجمهور إلى أداة تعبئة وتجييش.
لم يعد السؤال: «ماذا حدث؟» بل: «كيف يجب أن نفهم ما حدث؟»، والفرق بين السؤالين هو الفارق بين الصحافة والدعاية.
وسائل الإعلام العربية، فى معظمها، لم تعد تُخفى أجندتها؛ فهى تنحاز بكامل قوتها لصالح مُلّاكها، سواء كانوا دولاً أو تيارات أو شبكات مصالح.
وبدلاً من تقديم معلومات دقيقة، وسياقات تاريخية، وتحليل بارد للوقائع، يُترك المجال واسعاً للعواطف الجياشة، والخطابات الانفعالية، وقصائد الفخر والهجاء، بوصفها أحد أوجه «التفرّد» الذى يتباهى به إعلام الأشاوس والمغاوير.
فى تغطية اليمن، يتجلّى هذا الخلل بوضوح، خاصة مع التصعيد الحاصل فى الأيام الأخيرة.
فالأزمة معقّدة، متداخلة الأطراف، ذات أبعاد إقليمية ودولية، لكنها تُختزل إعلامياً فى ثنائيات ساذجة: خير وشر، وطنية وخيانة، مقاومة وعدوان.
لا مكان للأرقام الدقيقة، ولا للضحايا الحقيقيين، ولا للأسئلة الصعبة حول الكُلفة الإنسانية والسياسية والاقتصادية.
كل ما يُطلب من الجمهور هو الاصطفاف، لا الفهم.
والمفارقة أن هذا النمط من التغطية لا يكتفى بتشويه الواقع، بل يصنع جمهوراً هشّ الوعى، سريع الغضب، محدود القدرة على التمييز بين المعلومة والموقف.
ومع تكرار الرسائل ذاتها، يتحول الخطاب الإعلامى إلى ما يشبه «الضجيج المستمر» الذى يُفقد الكلمات معناها، ويُفرغ القضايا من مضمونها، ويجعل النقاش العام أسيراً للشعارات بدلاً من الحقائق.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من التغطية لا يضلل الجمهور فحسب، بل يضر بالقضية نفسها.
فحين تُخفى الحقائق، وتُجمّل الأخطاء، وتُبرّر الكوارث باسم الوطنية أو السيادة، يصبح من المستحيل تصحيح المسار، أو محاسبة المسئولين، أو حتى التعلّم من الفشل.
الإعلام، فى هذه الحالة، لا يحمى الوطن، بل يحمى الأخطاء التى تقوده إلى مزيد من الانهيار.
وفى حالة اليمن، فإن غياب التغطية المهنية لا يعنى فقط غياب الفهم، بل يعنى أيضاً إطالة أمد المأساة. فحين لا تُعرض الوقائع كما هى، ولا تُناقش الخيارات بموضوعية، ولا تُكشف الأخطاء بجرأة، يصبح السلام نفسه فكرة بعيدة، وتتحول الحرب إلى حالة اعتياد، لا صدمة فيها ولا مساءلة.
ليس من المصادفة إذن أن يهرب الباحثون والصحفيون والمهتمون بالشأن اليمنى إلى مصادر أجنبية، رغم ما يعتريها من انحيازات خاصة بها.
فالفرق أن تلك الوسائل ما زالت، فى كثير من الأحيان، تفصل بين الخبر والرأى، وتعرض وجهات نظر متعددة، وتترك للقارئ هامشاً للتفكير، لا مجرد مساحة للتصفيق.
هذا لا يعنى تبرئة الإعلام غير العربى، ولا الادعاء بامتلاكه الحقيقة الكاملة، لكنه اعتراف بواقع مؤلم: الإعلام العربى، فى قضايا الصراعات العربية، غالباً ما يتخلى طوعاً عن دوره المهنى، ويختار أن يكون جزءاً من آلة الصراع لا مرآة له.
فى النهاية، لا يمكن بناء وعى عام سليم دون إعلام يجرؤ على قول ما لا يُحب سماعه، ولا يمكن إنقاذ أى قضية عبر التزييف المستمر.
فالحقيقة، مهما كانت قاسية، أقل كلفة من الوهم.
والتاريخ لا يرحم من اختاروا تعبئة الهواء بدلاً من نقل الواقع.
أعان الله كل من لا يزال يحاول ممارسة الصحافة وسط هذا الضجيج، وأعاننا على تحمّل هذا الكم من الهراء الذى يُقدَّم إلينا كل يوم على أنه «حقيقة».