التنين الصيني في مواجهة صقور أمريكا.. صراعات سياسية واقتصادية وتكنولوجية
التنين الصيني في مواجهة صقور أمريكا.. صراعات سياسية واقتصادية وتكنولوجية
تحوَّل الصراع بين الولايات المتحدة والصين من تنافس تجارى محدود إلى مواجهة شاملة تهدد النظام الدولى، مع انتقال العالم من الهيمنة الأمريكية الأحادية إلى تعددية القوى، وترى واشنطن فى صعود الصين تهديداً اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً، بينما تعتبر بكين السياسات الأمريكية محاولة لاحتواء نموها.
ومع عودة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى 2025، تصاعدت الحرب التجارية والتنافس التكنولوجى على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعى، إضافة إلى النفوذ على المعادن النادرة والنظام المالى العالمى، مع مساع صينية لتقليل الاعتماد على الدولار.
المواجهة تحولت من تنافس تجارى إلى «شاملة» تهدد النظام الدولى
جيوسياسياً، تظل تايوان وبحر الصين الجنوبى أكثر بؤر التوتر، وسط تحالفات أمريكية متزايدة وشراكات صينية أوسع مع دول الجنوب العالمى.
وينعكس الصراع على الاقتصاد العالمى عبر تقلبات أسواق الطاقة، سلاسل الإنتاج، وسياسات التجارة، ما يضطر الشركات والدول لإعادة تقييم استراتيجياتها وتبنى سياسات توازن.
ورغم بقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، فإن الصراع طويل الأمد ويضع العالم فى حالة مستمرة من عدم اليقين، مع احتمال أن أى حادث إقليمى قد يؤدى إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
بدوره، يرى الدكتور جعفر الحسيناوى، أستاذ الاقتصاد المتخصص فى الشئون الصينية، أن الصين تبحث عن عدة مخارج لتعزيز اقتصادها وجعله منافساً للاقتصاد الأمريكى، فهى تعمل على تقويته من خلال تنويع منافذها التجارية لتفادى الضغوط الأمريكية، بينما تسعى واشنطن لاستخدام كل قدراتها لإبطاء نمو الاقتصاد الصينى.
أوضح «الحسيناوى» أن واحدة من أبرز خطوات واشنطن كانت رفع التعريفات الجمركية على الواردات الصينية خلال ولاية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى محاولة للضغط على الاقتصاد الصينى، مؤكداً أن هذه الإجراءات لم تحقق أهدافها، إذ نجحت الصين فى إعادة توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة فى آسيا وأفريقيا، مشيراً إلى أن هذه الخطوة حدت من تأثير الإجراءات الأمريكية وسمحت للصين بالاستمرار فى تعزيز اقتصادها.
«تمام»: رفع التعريفات الجمركية على الصين لم يضعف الاقتصاد
فيما قال عامر تمام، الخبير فى الشئون الصينية، إن الصراع بين الولايات المتحدة والصين مفتوح ومعقد، ويتضمن ملفات متعددة ومتداخلة، بعضها قابل للتفاهم، وبعضها الآخر يبدو مستحيلاً التوصل إلى حلول بشأنه، من بين هذه الملفات، يبرز صعود الصين وحلمها بأن تصبح قوة كبرى فى عالم متعدد الأقطاب، وهو ما ترفضه واشنطن التى تسعى للحفاظ على هيمنتها كقوة عالمية وحيدة.
أشار «عامر» إلى أن مسألة تايوان تعد نقطة محورية وأساسية فى جوهر الصراع بين البلدين، فالصين لا بديل أمامها سوى استعادة تايوان سواء دبلوماسياً أو عسكرياً، بينما ترفض الولايات المتحدة ذلك وربما تتدخل عسكرياً لمنع أى استعادة بالقوة، ما يجعل هذه القضية من أصعب الملفات وأشدها حساسية.
وأضاف أن هناك ملفات متشعبة أخرى تستخدمها واشنطن للحد من صعود الصين، منها الملف الاقتصادى والحرب التجارية، والرسوم الجمركية، والرقائق الإلكترونية وحظر تصديرها، والعقوبات المفروضة على الشركات الصينية، إضافة إلى ملفات تيك توك وملف بحر الصين الجنوبى. وتابع «عامر»: «كل هذه الملفات يمكن التوصل إلى تفاهمات بشأنها إذا تم الاتفاق على مسألة صعود الصين وهل تقبل الولايات المتحدة وجود الصين كقوة ضمن نظام متعدد الأقطاب».
أوضح «تمام» أن الصراع بين البلدين يشبه حرباً باردة مستمرة منذ سنوات، وأن تايوان قد تصبح نقطة شرارة لحرب واسعة إذا ما دفعت الولايات المتحدة النظام الحاكم فى الجزيرة لإعلان الاستقلال أو إذا أقدمت الصين على ضمها بالقوة، رغم أن هذا السيناريو مستبعد حالياً، لأن أى حرب ستكون مكلفة وخسارة للطرفين.
وبخصوص التعاطى الأمريكى بعد عودة ترامب إلى الرئاسة، يرى «تمام» أن أهداف الصراع لم تتغير جذرياً، لكن التعاطى الأمريكى تغير، فترامب بات يتصرف بعقلانية أكبر مقارنة بولايته الأولى، وبدأ يعتمد سياسة التهدئة بدلاً من التركيز على الرسوم الجمركية والحرب التجارية، وهو يسعى لإدارة الخلاف مع الصين والتوصل إلى تفاهمات فى بعض الملفات. فى سياق متصل، يقول أمين العاصى، الخبير فى الشأن الأمريكى، إن الصراع الاقتصادى بين واشنطن وبكين يبقى محوراً رئيسياً للتنافس، ولا يقتصر على الرسوم الجمركية والحرب التجارية فحسب، بل يشمل محاولات كل طرف للسيطرة على سلاسل الإمداد العالمية وتأمين الموارد الحيوية مثل المعادن النادرة.
وأكد «العاصى» أن بكين نجحت فى إدارة الصراع مع واشنطن بتنويع أسواقها وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، ما منحها قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الأمريكية، مؤكدا أنه على الصعيد التكنولوجى، يتجاوز الصراع الاقتصاد ليصبح ساحة تنافس على الهيمنة الرقمية والعلمية.
وأشار إلى أن ملف تايوان وبحر الصين الجنوبى أبرز نقاط التوتر المحتملة، إذ يمكن لأى حادث عسكرى أو سياسى غير محسوب أن يؤدى إلى تصعيد خطير، فى المقابل، تعمل الولايات المتحدة على تعزيز تحالفاتها فى آسيا والمحيط الهادئ، بينما توسع الصين شراكاتها الاقتصادية والسياسية مع دول الجنوب العالمى وروسيا وإيران، فى محاولة لخلق توازن قوى متعدد الأقطاب.