«الشرق الأوسط الجديد».. حرب على الخرائط
«الشرق الأوسط الجديد».. حرب على الخرائط
عاش الشرق الأوسط فى 2025 لحظات مفصلية فى مساره السياسى والأمنى، وسط تفاعلات متسارعة بين الفوضى التنظيمية ومحاولات إعادة تشكيل النفوذ الإقليمى والدولى، حيث تشهد المنطقة تحولات عميقة فى موازين القوى، فى ظل تعقيد الصراعات وصعوبة التوصل إلى حلول دبلوماسية وسياسية.
وتحول «الشرق الأوسط الجديد» إلى واقع أكثر منه مصطلحاً، حيث إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية المتجاوزة للحدود التقليدية للدول، كما أن الرهان الإسرائيلى على إعادة تشكيل المنطقة عبر فرض نفوذ أمنى وسياسى واسع لم يحقق أهدافه الكاملة.
وتناولت سيناريوهات «الشرق الأوسط الجديد» إعادة رسم الخرائط السياسية على أساس اختلافات ديموغرافية ومذهبية، ووجود تفاوتات داخل الدول القائمة، فلم تعد الحدود التى رُسمت خلال القرن العشرين تعكس الواقع الاجتماعى بل هناك «الدويلات الصغيرة» القائمة على التقسيم الديموغرافى.
فعلى مستوى العراق وسوريا، تعيش تلك الدول فى الفوارق المذهبية والقومية والمناطق ذات الحكم الذاتى مثل كردستان العراق، وتظهر دعوات لمناطق إدارة ذاتية أو دويلات صغيرة فى ظل الهوية الدينية والمذهبية، إلى جانب القبليات والإثنيات، التى تعد من العوامل التى يمكن أن تُشكل خطوط انقسام اجتماعى وسياسى فى المستقبل.
«العنانى»: عام 2025 شهد تصاعد الحديث عن احتمال تحول بعض دول الشرق الأوسط إلى دويلات أو كيانات أصغر
كما تشكل الأوضاع فى دول الجوار القريب لمصر، مثل السودان وليبيا، جزءاً من الضغوط الإقليمية التى تعيد صياغة واقع الأمن والاستقرار، ففى السودان، عزز الصراع بين الجيش وميليشيات الدعم السريع من واقع الضعف المركزى، وأوجد مناطق خارج السيطرة الفعلية للحكومة، مع ميل لقوى محلية لإدارة شئونها بذاتها فى أجزاء واسعة من البلاد، ما يسهم فى بروز إدارة مركزية ضعيفة.
وفى ليبيا، كانت الانقسامات الممتدة منذ 2011 تُظهر واقعاً صعباً مع وجود حكومات متنافسة وميليشيات محلية متعددة، ما يخلق واقع دويلات فعلية على الأرض، رغم عدم وجود اعتراف دولى رسمى منفصل للكيانات المحلية
فى سياق متصل، أعلن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى أغسطس 2025 فكرة إسرائيل الكبرى من جديد، والتى أثارت جدلاً كبيراً حول السياسات التوسعية لإسرائيل، فى ظل استمرار النزاع الفلسطينى الإسرائيلى وتصاعد التوترات فى المنطقة العربية منذ 2023. ويشير مصطلح إسرائيل الكبرى إلى فكرة توسع الكيان الإسرائيلى لتشمل ما يعتبره مؤيدوها الأرض الموعودة وفق مزاعمهم، وهذه الرؤية التاريخية ليست مقتصرة على فلسطين فحسب، بل تشمل أحياناً أجزاء من دول عربية مجاورة ضمن رؤى المتشددين داخل التيار الصهيونى.
وتسببت حرب غزة فى 2023 وما تلاها من تصعيد فى إعادة تسليط الضوء على مساعى التوسع الإسرائيلى، خاصة مع استمرار بناء المستوطنات وضم الأراضى تدريجياً، وتعقد عمليات الضم إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، وتشير إلى أن الحرب كانت جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الإسرائيلى فى المنطقة.
وبحسب العديد من التقارير الصحفية، فمشروع إسرائيل الكبرى قد يكون أسطورة سياسية أكثر من كونه مشروعاً عملياً قابلاً للتحقيق فى ظل الواقع الإقليمى المعقد، مستشهدين بعدم قدرة إسرائيل على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل، ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن استغلال الأزمات الحالية مثل النزاع فى غزة قد يسهل تنفيذ خطوات توسعية تدريجية، مما يتطلب موقفاً عربياً موحداً لمواجهته.
«الشلبى»: قرار «إسرائيل الكبرى» استراتيجية طويلة الأمد تعتمد على استغلال الانقسامات الإقليمية
بدوره، قال الدكتور جمال الشلبى، أستاذ العلوم السياسية، إن الأحداث الجارية مرتبطة بما يعرف بمشروع إسرائيل الكبرى، الذى تحدث عنه بنيامين نتنياهو أكثر من مرة.
وأكد «الشلبى» أن الأحداث فى الضفة الغربية تمثل تمهيداً لهذا المشروع، مشيراً إلى أن القرار ليس عشوائياً أو رد فعل طارئ، بل يأتى فى سياق استراتيجية طويلة الأمد تعتمد على استغلال الضعف العربى، والانقسامات الإقليمية، وتفكك بعض الدول مثل سوريا، وتحييد قوى المقاومة مثل حزب الله، إضافةً إلى التدخلات العسكرية فى غزة. فيما أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن فكرة إسرائيل الكبرى تمثل جزءاً من استراتيجية توسعية متشابكة مع أبعاد دينية وسياسية، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلى يرى فى الظروف الحالية فرصة لتعزيز هذه الرؤية.
«الرقب»: سياسة إسرائيل التوسعية تؤثر على الأمن القومى العربى
وأكد «الرقب» أن خطاب نتنياهو تبنّى سيناريو إسرائيل الكبرى بتجرؤ لم نشهده من الوزراء السابقين، مضيفاً أن الفكرة تمتد لتشمل مساحات كبيرة من المنطقة العربية والشرق الأوسط، والاحتلال عزز وجوده الاستراتيجى عبر تحالفات جديدة مع قبرص واليونان، إضافة إلى الحديث عن نشر صواريخ وقواعد مضادة للصواريخ فى حوض البحر الأبيض المتوسط، فى خطوات وصفها «الرقب» بأنها جرأة من الاحتلال وتمدد هادئ نحو إسرائيل الكبرى.
وحذر «الرقب» من أن سياسة إسرائيل التوسعية تؤثر بشكل مباشر على الأمن القومى العربى، مستشهداً بالاعتراف الإسرائيلى بـ«صومالى لاند» كخطوة لتأسيس جيوب استراتيجية فى قلب أفريقيا، بهدف تهجير فلسطينيين واستغلال النفوذ فى القارة، وأضاف أن إسرائيل أصبحت تمتلك يداً طويلة فى المنطقة، مستغلة ضعف استراتيجية الدفاع العربى المشترك، وتنفذ ضربات فى سوريا ولبنان والعراق وفلسطين واليمن، بينما لا توجد استراتيجية عربية موحدة لردعها.
بدوره، قال أحمد العنانى، أستاذ العلاقات الدولية، إن عام 2025 شهد تصاعد الحديث عن احتمال تحول بعض دول الشرق الأوسط إلى دويلات أو كيانات أصغر تعتمد على الانقسامات الديموغرافية والدينية والمذهبية والقومية.
وقال «العنانى» إن الوضع فى السودان وليبيا يمثل نموذجاً حياً لهشاشة الدولة المركزية، حيث أدى الصراع المستمر بين الجيش وميليشيات الدعم السريع فى السودان، والانقسامات السياسية والعسكرية فى ليبيا، إلى ظهور مناطق تتمتع بسلطات محلية قوية وفعّالة على الأرض، رغم غياب الاعتراف الدولى الرسمى بها، مؤكداً أن هذه التطورات، إلى جانب الاختلافات الديموغرافية والطائفية فى العراق وسوريا واليمن، تجعل من فكرة الدويلات الصغيرة أو الحكم الذاتى المحلى احتمالاً قائماً، خصوصاً فى ظل استمرار ضعف مؤسسات الدولة المركزية وعدم الاستقرار الأمنى فى المنطقة.
وأكد «العنانى» أن عدم الاستقرار فى سوريا والتدخلات الإقليمية فيها أثرت بشكل مباشر على القرار السورى، مضيفاً أن الوضع فى اليمن يشهد هو الآخر صراعات ونزاعات داخلية، وعدم الاستقرار فى دول المنطقة له تأثير مباشر وكبير على استقرار الإقليم بأكمله، مشيراً إلى أن استمرار هذه الديناميكيات يضاعف من صعوبة تحقيق الاستقرار الإقليمى ويزيد من احتمالية بروز كيانات محلية أو دويلات قائمة بذاتها.
«البرديسى»: التطورات تؤكد أن موازين القوى تتبدل باستمرار
وقال الدكتور طارق البرديسى، الخبير فى العلاقات الدولية، إن حرب غزة غيرت موازين القوى فى المنطقة بشكل ملموس، مضيفاً أن المقاومة أثبتت قدرتها على الصمود، وأن إرادة الشعوب صعبة الكسر، فيما أظهرت الحرب أن إسرائيل ليست بالقوة المطلقة التى كانت تبدو عليها، حيث تفرض ترتيباتها الأمنية والسياسية بالقوة العسكرية دون دراسة لتداعيات الغد.
وأشار «البرديسى» إلى أن التحالفات الإقليمية تتغير أيضاً، حيث تعرضت أذرع إيران لضربات، وحدث تقارب بين السعودية وإيران، وكذلك تنسيق بين مصر وتركيا، بينما تظل كل من تركيا ومصر ضد إسرائيل، مشيراً إلى أن هذه التطورات تؤكد أن موازين القوى تتبدل باستمرار.
وقال الدكتور حامد فارس، الخبير فى العلاقات الدولية، إن المنطقة تمر حالياً بمرحلة حرجة تُشبه عنق الزجاجة، مشيراً إلى أن هذه المرحلة دقيقة ومفصلية لما تشهده المنطقة من اضطرابات متزايدة نتيجة التصرفات العدائية لدولة الاحتلال الإسرائيلى. وأشار إلى أهمية التنسيق مع الحلفاء الاستراتيجيين ذوى الثقل السياسى الكبير، مؤكداً أن الدول العربية تتطلب تحركات عاجلة تتناسب مع حجم الانتهاكات الصارخة للقانون الدولى ومواثيق مجلس الأمن التى قامت بها إسرائيل، مطالباً بموقف حازم يضمن حماية السيادة ودرء المخاطر الإقليمية.