من أيام الأندلس (2)
تنتقل بنا مسرحية «الأرض الأخيرة» للكاتب أحمد سراج إلى زمن معاصر، تظهر فيه حفيدة دوقة دى ألبا، التى تقود فريقاً بحثياً من النابهين يعمل على إحياء تراث الأندلس، فينتهون إلى تأليف مسرحية وإخراجها باستخدام تقنيات حديثة، مثل الذكاء الاصطناعى والهولجرام، يستعيدون فيها أمجاد العرب فى الأندلس، ودور المرابطين فى محاولة إنقاذها من غارات جيوش ملوك قشتالة، ليبقوها على قيد الحياة نصف قرن، قبل أن ينهار كل شىء، بفعل التآمر والدعة.
إنها الحال التى يعبر عنها حوار بالمسرحية، حيث يتساءل «أبوبكر»: أكانت حالنا على غير التى نحن عليها؟ ألا تأكلنا الفرقةُ سيدى؟ تصارع أجدادنا منذ عبروا حتى جاء صقر قريش.. ثم أكل آباؤنا ستر الخلافة.. نحن العدو سيدى.. كم من حاكم أندلسى تآمر على أخيه، وقدم فروض الولاء للقشتاليين؟ ويرد عليه «الرشيد»، بسؤال أيضاً: وهل صنعنا ما ترى من فرقة؟ فيجيب أبوبكر: ليس ضرورياً أن تشعل النار لتكتوى بها.
وفى الإهداء يكشف الكاتب عن أن مسرحيته مستمدة من موقف واقعى، حين يهديها إلى الراحل الكبير د. سليمان العطار، بوصفه واحداً من العارفين بالأندلس والأدب الإسبانى المعاصر، فيخاطبه قائلاً: «أستاذى العزيز، هذا ما طلبتَ منى حين قرأت (لمسة البعث) ووعدتك به بعد أن قرأت الكتب التى أشرت علىََّ بها، وبعد أن حكيت لى حوارك مع دوقة ألبا»، ثم يتأكد الأمر حين يتوجه إلى دوقة ألبا، قائلاً لها: «حكى لى د. سليمان عن لقائه بك، وعن دورك فى بناء ضريح الـمعتمد، وعن السبب الذى من أجله بنيت له ضريحه فى أغمات، نعم سيدتى، كان الرجل كما قلت تماماً ملكاً عظيماً ظلـمه الكثيرون، حتى هو!».
ويوزع الكاتب فصلى مسرحيته على عناوين دالة تخدم هذه المرثية، فالأول يصور مجريات ثلاثة أيام فى ثلاثة مشاهد: «يوم السيف المبصر»، و«يوم الغفلة» و«يوم القضاة»، والثانى ثلاثة مثلها هى: «يوم تشقق الأرض» و«يوم الغيوم» و«يوم الخسران»، وأخيراً يأتى «يوم الأرض الأخيرة».
وعناوين هذه المشاهد ترسم، إلى حد كبير، المراحل التاريخية التى مرت بها قضية الأندلس، فمن سيف يعرف متى يخرج من غمده؟ ولمن يتم توجيهه؟ إلى أيام غفلة عن تحديد من هو العدو الحقيقى، وأين مكمن الخطر، تنتهى إلى أيام مواجهة عصيبة تتشقق فيها الأرض، وتتلبد السماء بالغيوم، إلى أن تأتى ساعات الخسارة الفادحة، التى يفقد ملوك الطوائف آخر بقعة أرض كانت تحت سلطانهم.
تبدأ المسرحية بسؤال المعتمد بن عبَّاد:
«من يُحاكمنى
وعلامَ؟
من أُحاكِمُ؟
وإلامَ؟».
إنه السؤال المفتاح، الذى يفتح أمام الكاتب مساراً ليأتى بالسائل إلى زماننا، كى يعرف أسباب طرحه هذا السؤال المحورى، وهواجسه ومخاوفه وقت أن أطلقه، ثم حزنه وندمه على ما آلت إليه حاله. ولا يغفل الكاتب فى هذا كل ما كان يحيط بصاحب السؤال من ظروف قاهرة، لكنه، ومثل كثيرين، لا يغفر له الغفلة والتفريط ثم الانكسار.
نحن أمام مسرحية قصير نصها، وطويل زمنها، وعميق مغزاها، ومُحكم بنيانها، تنكأ جرحاً لا يزال طازجاً بين أصابع أناس يعيشون بين ظهرانينا الآن، تسيل منه ذكريات مفعمة بالحنين والندم، وتطل من قلبه حكمة سابغة لتاريخ يتكرر فى زماننا، وبذا تكون المسرحية أشبه باستعارة سياسية مقتطفة من زمن ولّى إلى زمن لا يزال يجرى ببين أيدينا، أو يجرى بنا إلى حيث يريد، كى يتنبه الحاضرون واللاحقون إلى ما أضنى السابقين وساقهم إلى الهزيمة والضياع.
إنها الاستعارة التى تفلح فى أن نقدمها لما نراه ماثلاً أمامنا بوضوح مع ما حدث فى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وكيف وقف العرب منها موقفهم من إمارات الأندلس التى تركوها تتساقط تتباعاً حتى صارت أثراً بعد عين، وهو مصير مرير يأبى الشعب الفلسطينى الصامد الصابر أن ينتهى إليه.
ويا للعجب، فاليهود فضلوا الرحيل مع المسلمين من الأندلس على البقاء مع مسيحيى قشتالة بعد انتصارهم، حتى لا يجبروهم على تغيير عقيدتهم، ويمعنون فى التنكيل بهم، لكن ها هم ينسون اليوم هذا الفضل، بينما يتذكره جيداً الإسبان، الذين وجدناهم فى مقدمة الرافضين للإبادة الجماعية لأهل غزة، شأنهم شأن بعض اليهود الذين قالوا صراحة لنتنياهو: لا تقتل باسم اليهودية.
ربما كانت هذه المعانى مضمرة فى نص أحمد سراج، أو مثلت، دون شك، جزءاً من رؤيته العامة، التى لا تنظر إلى التاريخ باعتباره حكايات تروى للتسلية أو الترويح إنما هو مستودع للاعتبار، وهو ما انعكس على المعنى الكلى العميق لهذه المسرحية، وعلى الحوار الذى دار على ألسنة شخصياتها، وفى ترتيب الأحداث، والنزوع إلى مساءلة أو محاكمة من فرطوا أو تواطأوا وتركوا الهزيمة تأتى لا يردها أحد ولا شىء.