أكثر الحروب دموية في 2025.. غزة تغرق وسط «حرب إبادة جماعية» مفتوحة

كتب: محمود العيسوي

أكثر الحروب دموية في 2025.. غزة تغرق وسط «حرب إبادة جماعية» مفتوحة

أكثر الحروب دموية في 2025.. غزة تغرق وسط «حرب إبادة جماعية» مفتوحة

تكشف خريطة العالم لعام 2025 عن مشهد بالغ القتامة، يُنذر بأن تتزايد حدّته فى العام الجديد، إذا سجّل العام المنقضى أحد أكثر الأعوام دموية فى التاريخ الحديث، مع تصاعد وتيرة العنف، واتساع رقعة الحروب فى مختلف أنحاء العالم، وارتفاع غير مسبوق فى أعداد الضحايا من المدنيين. ووضع مؤشر النزاعات العالمية، الصادر عن مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح (ACLED)، حرب الإبادة الجماعية، التى يتعرّض لها الفلسطينيون فى قطاع غزة، بل وفى مناطق الضفة الغربية، فى صدارة أكثر الحروب دموية، إلى جانب كل من أوكرانيا والسودان وسوريا وميانمار.

وبحسب تقرير لمجلة «نيوزويك» فإن مؤشر النزاعات العالمية سجّل أكثر من 204 آلاف و600 نزاع مسلح حول العالم، خلال الفترة بين الأول من ديسمبر 2024، حتى 28 نوفمبر 2025، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 240 ألف شخص، بينهم عدد كبير من المدنيين والنساء والأطفال، واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن هذه الأرقام لا تعكس فقط ارتفاع عدد الضحايا، بل تشير أيضاً إلى تحوُّل نوعى فى أنماط العنف، حيث أصبحت الدول، وليس فقط الجماعات المسلحة غير النظامية، المحرك الرئيسى لمستويات العنف المتصاعدة، عبر عمليات عسكرية واسعة النطاق، وضربات جوية مكثفة، واستخدام متزايد للطائرات المسيّرة، فى مؤشر يعكس انهيار منظومات الردع الدولية، وعجز المجتمع الدولى عن حماية المدنيين.

التقرير يضع عدداً من المناطق باعتبارها «نقاط اشتعال قصوى»، تشهد أعلى درجات شدة الصراع خلال عام 2025، فى مقدمتها الصراع الإسرائيلى- الفلسطينى، إلى جانب ميانمار وسوريا والمكسيك ونيجيريا والإكوادور والبرازيل وهايتى والسودان وباكستان، غير أن ما يميّز الحالة الفلسطينية، بحسب التقرير، ليس فقط حجم العنف، بل اتساعه الجغرافى واستمراريته، وطبيعته التى تستهدف السكان المدنيين بصورة ممنهجة، خصوصاً فى قطاع غزة، الذى يتعرّض لحرب إبادة جماعية شاملة ومفتوحة، تشمل القتل الجماعى، وتدمير البنية التحتية، واستهداف المستشفيات ومراكز الإيواء، وفرض حصار خانق يحرم السكان من أبسط مقومات الحياة.

«الصحيفة»: أسلحة دمار جديدة تستهدف المدن المكتظة بالسكان.. والمجتمع الدولى يقف «عاجزاً» عن حماية المدنيين.. والعالم يقف أمام مفترق طرق خطير بسبب الحروب حيث تهدد الأمن والسلم على حد سواء

أشارت «نيوزويك» فى تقريرها، إلى أن عام 2025 شهد تصعيداً ملحوظاً فى استخدام القوة العسكرية من قبَل دول فى أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، سواء ضد جيرانها، أو ضد جماعات داخلية، أو حتى متظاهرين، مع تسجيل مستويات قياسية من الضربات الجوية، وهجمات الطائرات المسيّرة، هذا التصعيد ترافق مع ارتفاع موازنات الدفاع فى عدد كبير من الدول، بهدف الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية، ما أسهم فى تكريس نمط جديد من النزاعات يتميّز بالهجمات الحضرية، والتفجيرات، والعمليات العسكرية الموسّعة داخل المدن المكتظة بالسكان. ووفقاً للتقرير، تعرّض نحو 6% من سكان العالم بشكل مباشر لأحداث عنف أو نزاعات مسلحة خلال عام 2025.

وبالنظر إلى أكثر النزاعات دموية، يضع تصنيف (ACLED) أوكرانيا فى الصدارة، من حيث عدد القتلى، تليها الحرب الأهلية فى السودان، ثم حرب الإبادة الجماعية التى يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلى على أبناء الشعب الفلسطينى، تليها النزاعات فى ميانمار ونيجيريا والصومال وسوريا والمكسيك والبرازيل وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فى حين تتصدّر المكسيك وأوكرانيا والبرازيل وسوريا، إلى جانب الأراضى الفلسطينية المحتلة، «مؤشر الخطورة» من حيث كثافة العنف وانتشاره، غير أن التقرير يلفت إلى أن الحرب على الفلسطينيين تظل الأكثر انتشاراً جغرافياً، إذ جرى تسجيل أعمال عنف فى نحو 70% من مساحة قطاع غزة والضفة الغربية، فى دلالة واضحة على الطابع الشامل والمنهجى للعدوان الإسرائيلى.

وأظهر التقرير أن الحرب فى أوكرانيا، والحرب على غزة، أسهمتا معاً بأكثر من 40% من إجمالى أحداث النزاع المسلح عالمياً خلال عام 2025، رغم تسجيل تراجُع طفيف فى عدد الأحداث مقارنة بالعام السابق، ففى أوكرانيا، سُجلت قرابة 78 ألف حالة وفاة، ما يجعلها النزاع الأكثر دموية فى العالم خلال العام، وسط تقارير تشير إلى أن عمليات قصف عشوائية للجيش الروسى أسفرت عن مقتل أكثر من ألفى مدنى، أما فى فلسطين فإن الأرقام، رغم صعوبة حصرها بدقة فى ظل الحصار والدمار، تعكس مأساة إنسانية غير مسبوقة، حيث تُستهدف التجمعات السكانية، وتُسوى أحياء كاملة بالأرض، فى سياق تصفه منظمات حقوقية دولية بأنه يرقى إلى «جرائم إبادة جماعية».

وفى مناطق أخرى من العالم، تواصلت الحروب الأهلية فى ميانمار، التى شهدت أكثر من 13 ألفاً و700 حالة وفاة مرتبطة بالنزاع على مستوى البلاد، وفى السودان، الذى بات أكثر النزاعات دموية فى أفريقيا بالنسبة للمدنيين، قُتل أكثر من 17 ألف شخص بين يناير ونوفمبر 2025، ويُظهر مؤشر (ACLED) أن ميليشيات «الدعم السريع» كانت الجهة الأكثر تورطاً فى العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن الجماعات المسلحة غير الحكومية، والحشود العنيفة، مسئولة عن نحو ثلثى أعمال العنف الموجّهة ضد المدنيين فى البلاد.

وفى أمريكا اللاتينية، سلط التقرير الضوء على تصاعد غير مسبوق لعنف العصابات، خاصة فى البرازيل والإكوادور وهايتى والمكسيك، حيث أسهمت هذه الظاهرة فى إدراج هذه الدول ضمن أكثر عشر دول عنفاً فى العالم خلال العام المنقضى، ففى الإكوادور وحدها، أدى نشاط أكثر من 50 جماعة مسلحة، بينها نحو 40 عصابة، إلى تسجيل أكثر من 2500 حدث عنف، استهدف أكثر من نصفها مدنيين، أما فى سوريا، فقد ارتفعت أعداد القتلى المرتبطين بالنزاع من نحو 6 آلاف إلى أكثر من 9 آلاف خلال عام واحد، بفعل الصراعات السياسية، والعنف الطائفى، والتدخلات الخارجية.

ونقلت «نيوزويك» عن كليوناده رايلى، الرئيسة التنفيذية لمشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح، قولها، خلال مؤتمر صحفى افتراضى، إن معدلات النزاع تضاعفت بين عامَى 2019 و2024، وإنها استقرت خلال عام 2025 عند نفس المستويات المرتفعة، وهو ما يشير، بحسب تعبيرها، إلى وصول العالم إلى «عتبة جديدة»، أو «وضع طبيعى جديد» من العنف الشديد، حيث باتت التجارب العنيفة جزءاً دائماً من الواقع العالمى، وأضافت أن «هذا المستوى من العنف لم يعد استثناءً، بل أصبح إحدى السمات للنظام الدولى الراهن».

من جانبه، أكد أندريا كاربونى، رئيس قسم التحليل فى المشروع، أن المدنيين حول العالم لا يواجهون عنفاً أكبر فحسب، بل يواجهون على نحو متزايد عنف الدولة نفسها، فى إشارة واضحة إلى تصاعد استخدام القوة العسكرية ضد السكان، سواء فى سياق حروب خارجية، أو نزاعات داخلية، وهذا التوصيف ينطبق بوضوح على ما يجرى فى قطاع غزة، حيث تُستخدم القوة العسكرية بأقصى درجاتها ضد سكان محاصرين، فى ظل صمت أو عجز دولى، ما يجعل من عام 2025 شاهداً على واحدة من أكثر فترات العنف المنظم ضد المدنيين فى التاريخ المعاصر.

وتختتم الصحيفة تقريرها بالقول إن عام 2026 لا تبدو أقل قتامة، إذ من المرجّح استمرار هذه المستويات المرتفعة من العنف، مع تعرُّض أعداد أكبر من البشر لمخاطر النزاعات المسلحة، وأكدت أن العالم يقف أمام مفترق طرق خطير، حيث باتت الحروب، وفى مقدمتها حرب الإبادة الجماعية على الفلسطينيين فى غزة، مرآة لفشل النظام الدولى فى حماية المدنيين ووقف دوامة الدم التى تهدد الأمن والسلم العالميين على حد سواء.


مواضيع متعلقة