الهجوم على فنزويلا.. اختبار النفوذ الأمريكي ورسالة إلى القوى الكبرى (تحليل)

كتب: محمد عبد العزيز

الهجوم على فنزويلا.. اختبار النفوذ الأمريكي ورسالة إلى القوى الكبرى (تحليل)

الهجوم على فنزويلا.. اختبار النفوذ الأمريكي ورسالة إلى القوى الكبرى (تحليل)

بحلول عام 2025، بدأ صانعو القرار والمحللون السياسيون يتحدثون بصراحة عن صعود عالم متعدد الأقطاب، في وقت تتصارع فيه القوى الكبرى على إعادة رسم ميزان القوى العالمي، وأن دور الولايالت المتحدة عالميًا أصبح يتضاءل تدريجيًا، مع صعود، روسيا والصين والهند، ودول أخرى.

موسكو، على سبيل المثال، ركزت على استعادة نفوذها في أوروبا، في حين سعت الصين، بقوتها الاقتصادية المتنامية وجيشها المتطور، إلى بناء تحالفات استراتيجية يمكن أن تمنحها هيمنة إقليمية وعالمية على حد سواء.

وسط هذا التحول، بدا أن الولايات المتحدة رفضت التخلي عن دورها المهيمن، فإلى جانب فرض رسوم جمركية وقيود تجارية على الصين للسيطرة عليها، لجأت واشنطن إلى العقوبات وفرض النفس في محاولة السيطرة على روسيا، في الوقت نفسه، جاءت الهجمات السابقة ضد إيران والتهديدات المتعددة ضد دول العالم، والعملية العسكرية في فنزويلا، في محاولة للحفاظ على هيمنتها، رغم صعوبة المهمة.

صعوبات ومحاولات للسيطرة على واقع عالمي معقد

على الأرض، يظهر ذلك بوضوح في المواجهة الأمريكية مع الصين وروسيا، اللتين تشكلان تهديدًا اقتصاديًا وعسكريًا متزايدًا، وفي الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة تحديات إقليمية عديدة، خاصة من جانب موسكو وبكين وبيونج يانج، ونيودلهي، ما يفرض صعوبات ومحاولات للسيطرة على واقع عالمي أقبل قابلية للهيمنة الفردية.

فنزويلا.. كمنوذج

فنزويلا تبرز كحالة نموذجية لهذه المنافسات ومحاولة فرض واشنطن لسيطرتها، إذ تمتلك الدولة اللاتينية أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، ما يجعلها لاعبًا استراتيجيًا على صعيد الطاقة والأسواق العالمية.

وقد حول هذا الاحتياطي النفطي فنزويلا إلى محور اهتمام أمريكي مستمر، ليس فقط كمنتج نفطي بتكلفة تنافسية، بل أيضًا كعنصر رئيس في معادلات القوة العالمية.

ويعكس الصراع الأمريكي الفنزويلي أبعادًا تتجاوز الخلافات الدبلوماسية التقليدية، إذ يشمل التنافس على السيطرة على الموارد الاقتصادية الكبرى، وبالأخص النفط، ومحاولات أمريكية لإعادة تشكيل النظام الفنزويلي بما يتماشى مع مصالح واشنطن.

يقول مايك ميلروي، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق لـ«الوطن»، إن الهجوم الأمريكي على فنزويلا يظهر على أنه نشاط إنفاذ قانون ضد متهم بتجارة المخدرات، لكنه أشار إلى أنه أوسع من ذلك بكثير.

وأضاف «ميلروي» فهو يتعلق بالسيطرة على نصف الكرة الغربي كما نصت عليه استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، لكن فكرة أن الولايات المتحدة يمكنها إدارة بلد آخر والاستحواذ على موارده الطبيعية تتعارض بوضوح مع القانون الدولي.

ترسيخ منطق مناطق النفوذ في النظام العالمي الناشئ

يرى أوليفر ريتشموند، الباحث البارز في العلاقات الدولية ودراسات السلام والصراع وأستاذ العلوم السياسية بجامعة مانشستر، أن التحركات الأمريكية الأخيرة توحي بترسيخ منطق مناطق النفوذ في النظام العالمي الناشئ.

التعامل الأمريكي مع أميركا الجنوبية، بحسب ريتشموند، يشير إلى اعتبارها مجالًا حصريًا للنفوذ الأميركي، مع توجيه رسالة ضمنية مفادها أن على الصين وروسيا البقاء خارجه.

ويضيف أن هذا المنطق يتسق مع تصور أوسع لتعدد الأقطاب، حيث تمتلك الصين مناطق نفوذ إقليمية تمتد إلى بقية العالم، بينما تسعى روسيا لترسيخ مناطق اهتمامها في أوروبا، غير أن الإشكالية الأساسية، بحسب «ريتشموند» تكمن في غياب أي إطار دولي جامع لإدارة هذا التنافس، إذ لا توجد عمليًا جهة شاملة للنقاش أو التفاوض أو الوساطة، مثل مجلس الأمن الدولي، ما يجعل المشهد العالمي مفتوحًا على التكهنات أكثر من كونه محكومًا بقواعد واضحة.

وفي هذا السياق، يحذر «ريتشموند» من أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تعكس إدارة منظمة لتعدد الأقطاب، بل تساهم في خلق ما يصفه بـ«ظروف متعددة الأقطاب معاكسة»، نتيجة تجاهل الأمم المتحدة، وتهميش القانون الدولي، والانسحاب من الأدوار التقليدية الداعمة للاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي.

يقول ريتشموند: «تعدد الأقطاب يعيد العالم إلى الوراء، ويفكك المكاسب التي تحققت في النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية».

ويوضح أن هذا النمط من النظام العالمي لا يمتلك سوى أدوات محدودة لصنع السلام، تعتمد على الدبلوماسية القسرية، والتهديد، والسلطوية، وتوازن القوى، دون الالتزام بالمعايير الدولية أو بآليات حفظ وبناء السلام التابعة للأمم المتحدة.

ترامب.. والمصالح قصيرة الأجل

ويرى الباحث البريطاني أن ترامب يتعامل مع السياسة الخارجية من منظور مصالح قصيرة الأجل، حيث يجري الخلط بين ما يخدم مصالح الولايات المتحدة وما يخدم أجندته السياسية الخاصة، ما يؤدي إلى التنصل من الالتزامات الدولية المتعلقة بالسلام والاستقرار.

ويستدعي «ريتشموند» مقارنات تاريخية، مشيرًا إلى أن العالم شهد نماذج مشابهة في القرنين التاسع عشر والعشرين، عندما أدى انهيار النظام الإمبراطوري إلى حروب كبرى مع انتقال العالم إلى نظام الدول القومية، مضيفًا: «ما نشهده اليوم هو تفكك النظام الليبرالي الدولي الذي قادته الولايات المتحدة، والعودة إلى أشكال بدائية من تعدد الأقطاب بكل مخاطرها التاريخية».

كما يحذر من أن هذا التحول لا يحمل أي مكاسب حقيقية للدول النامية، بل ينذر بعودة نماذج من الإمبريالية الاستخراجية، حيث تستفيد النخب السياسية والاقتصادية المتحالفة مع قوى إقليمية وأوليغارشيات محلية، بينما تبقى المجتمعات خارج دائرة المكاسب.

وحول فنزويلا، يشير إلى أن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو يبعث برسالة خطيرة إلى النظام الدولي، مفادها أن القوى الكبرى قد تسعى إلى الاستحواذ السريع على النفوذ والموارد قبل أن تتغير موازين القوة، لكنه يشكك في قدرة الولايات المتحدة على فرض سيطرة حقيقية على فنزويلا، محذرًا من تداعيات عكسية محتملة على المدى المتوسط والبعيد.

ويشير في تحليله بالتأكيد على أن أي نظام دولي، سواء كان أحاديًا أو متعدد الأقطاب، يحتاج إلى أدوات متطورة لصنع السلام من أجل الحفاظ على استقراره، وهو الدرس الأهم الذي خلّفه القرن العشرون.