قداسة البابا تواضروس الثاني يكتب: الميلاد المجيد مدرسة حب
قداسة البابا تواضروس الثاني يكتب: الميلاد المجيد مدرسة حب
أهنئكم جميعاً بعيد الميلاد المجيد، هذا العيد الذى يحمل إلى قلوبنا بشارة الفرح والخلاص، وأصلى أن يمنحكم الله نعمةً متجددة وسلاماً ثابتاً يملأ حياتكم. كما أشارك بالتهنئة جميع الكنائس المسيحية التى تحتفل اليوم بميلاد المخلص، وكل الإيبارشيات والكنائس والأديرة القبطية الممتدة فى قارات العالم، حاملة شهادة الإيمان، ومحافظة على روح الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية.
إن عيد الميلاد هو عيد التجسد الإلهى، حين اقترب الله من الإنسان، فى صورة طفل وديع، ليعلن أن المحبة هى لغة السماء الأولى، ومكتوب «هكذا أحب الله العالم» (يوحنا3: 16)، علمنا أن الخلاص يبدأ من القلب المتضع. ففى ميلاد السيد المسيح نرى الله يدخل إلى تاريخ البشرية، لا ليغيِّر شكل العالم فقط، بل ليجدِّد الإنسان من الداخل، ويصنع بداية جديدة لكل نفس تبحث عن المحبة والنور والسلام.
وفى عالمنا اليوم، قد يملك الإنسان كل شىء: علماً، وتقدماً، وتقنية، وقوة، لكنه رغم ذلك يعيش فراغاً عميقاً، لأن ما ينقص العالم ليس الإمكانيات، بل المحبة.
إنه عالم امتلأ بالصراعات والحروب، لا بسبب قلة الموارد، بل بسبب غياب القلب المتضع، وغلبة الأنانية، وانطفاء لغة الحب بين البشر، وهنا يأتى عيد الميلاد المجيد، لا كاحتفال، بل كرسالة إلهية تُذكِّر العالم بأن خلاصه الحقيقى يبدأ حين يتعلم كيف يحب.
ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نتأمل فى قصة الميلاد باعتبارها مدرسة للمحبة، لأن الله لم يعلن حبه للإنسان بالكلمات فقط، بل قدَّمه بلغات يفهمها القلب البشرى.
وإذ يحدثنا الفكر الإنسانى عن لغات خمس للمحبة: الكلمة المشجعة، والوقت المقدَّم، والعطاء، والخدمة، ولمسات المحبة. والعجيب أن هذه اللغات كلها تتجسد بوضوح فى حدث الميلاد، وكأن الله اختار أن يخاطب عالماً جريحاً بلغة الحب التى تشفى.
فالميلاد لم يكن حدثاً منفصلاً فى الزمان، بل مسيرة حب متكاملة، ظهرت قبل الميلاد فى قصد الله وخطته، وتجلَّت أثناء الميلاد فى التجسد والاتضاع، واستمرت بعد الميلاد فى رعاية الإنسان وخلاصه. مسيرة نراها فى مواقف إنسانية بسيطة: فى أم تحتضن طفلها، فى نجمة تقود الحائرين، فى رعاة بسطاء يفرحون، وفى مجوس يقدِّمون هدايا، لكنها مواقف تحمل معانى عميقة، تعلَّمنا كيف تُعاش المحبة لا كيف تُقال فقط.
ويأتى عيد الميلاد ليعيد إلى العالم هذه الصور الحية من المحبة، لا لنحفظها فى الذاكرة، بل لنعيشها فى الواقع، علَّ الإنسان يشبع بالمحبة بدل الصراع، وبالسلام بدل الحرب، وبالعطاء بدل الأنانية. ومن هنا نبدأ تأملنا فى صور الحب التى تجلَّت فى الميلاد، كدعوة لكل قلب أن يعود إلى لغة السماء، فيحيا ويُحيى من حوله، وهذا من خلال فترتين قبل وبعد الميلاد:
قبل الميلاد..
الوفاء.. صورة من صور الحب
حين نتأمل فى قصة الميلاد المجيد، ندرك أن محبة الله لم تظهر فجأة فى ليلة الميلاد، بل بدأت قبل ذلك، فى أحداث صامتة، ومواقف إنسانية عميقة، تكشف كيف يهيئ الله القلوب قبل أن يعلن عمله للإنسان.
ومن أجمل صور الحب قبل الميلاد، ما نراه فى لقاء السيدة العذراء مريم بأليصابات، وهو لقاء يفيض بالوفاء والمساندة والفرح الروحى، فبعد أن قبلت العذراء البشارة الإلهية باتضاع قائلة: «هوذا أنا أمة الرب» (لو1: 38)، لم تنغلق على ذاتها، ولم تنشغل فقط بما تحمله من سر عظيم، لقد كانت فتاة عذراء تحمل فى داخلها خلاصاً عظيماً، لكن محبتها للخدمة ومعرفتها باحتياج أليصابات جعلها تسرع لتنطلق إلى الجبال، فى طريق طويل وشاق، لتزور أليصابات، المرأة المتقدمة فى الأيام التى كانت فى حاجة إلى من يسندها. القديس يوحنا الذهبى الفم يقول «مريم لم تذهب لتُعلن مجدها، بل لتخدم، فالوفاء الحقيقى لا يبحث عن ذاته، بل عن تعب المحبة». إننا نلمس محبة لا تعرف الانشغال بالذات، بل تتحرك بدافع المشاركة وتحمل الآخر.
أما أليصابات، فقد قابلت العذراء بروح ممتلئة نعمة، لا بروح مقارنة أو تساؤل. لم تسأل: لماذا اختاركِ الله؟ ولم تنظر إلى فارق السن أو الظروف، بل امتلأت فرحاً بالروح القدس، وعبّرت عن وفائها قائلة: «مباركة أنتِ فى النساء، ومباركة هى ثمرة بطنك»، إنها محبة تعرف أن تفرح بخير الآخرين، وأن تعترف بعمل الله فى حياة غيرها دون حسد أو خوف.
ويكشف هذا اللقاء عن عمق المحبة الإنسانية. فالعذراء وجدت فى أليصابات سنداً، وأليصابات وجدت فى العذراء بركة، وهكذا تحولت هذه الزيارة إلى قوة وحدث خلاصى، حتى إن الجنين ارتكض فى بطن أمه فرحاً. إننا نحتاج أن نعلم قيمة الوفاء فى كل أسرة وكل مجتمع صغير أو كبير.
العطاء.. صورة من صور الحب
لم يولد السيد المسيح فى قصر، ولا فى بيت غنى، بل فى مذود للحيوانات، مكان بسيط يخلو من مظاهر الراحة. ورغم قسوة المشهد فى ظاهره، إلا أنه يحمل فى جوهره أعمق صور المحبة. فالمذود لم يكن إهانة، بل كان تقدمة محبة، إذ قدَّم أهل بيت لحم ما لديهم، لا ما يتمنونه. لقد خدموا العائلة المقدسة بإمكاناتهم المحدودة، فصار هذا المكان المتواضع موضعاً لحضور الله.
إن المذود يقدم المحبة التى لا تنتظر الكمال، ولا تشترط وفرة الإمكانيات، بل تتحرك بما هو متاح ولو بأقل القليل، وخدمة الآخرين تبدأ حين نفتح قلوبنا قبل بيوتنا، وحين نقدِّم القليل بمحبة صادقة، فيصير القليل كثيراً. لقد تحول المذود إلى عرش، والظلمة إلى نور، والفقر إلى غنى، لأن الخدمة قُدمت بمحبة.
وفى المذود نرى أيضاً حباً صامتاً، بلا كلمات ولا ضجيج. حب يحتمل، ويستقبل، ويهيئ مكاناً لله بين البشر. نرى دعوة لكل إنسان أن يحوِّل بساطة حياته إلى مساحة إلهية، وأن يجعل من خدمته اليومية مذوداً يولد فيه المسيح من جديد.
بعد الميلاد
الاجتهاد.. صورة من صور الحب
تتجلَّى المحبة فى قصة الميلاد فى صورة عميقة وملهمة، وهى محبة المعرفة والبحث والاجتهاد، كما نراها واضحة فى قصة المجوس. فهؤلاء لم يكونوا من شعب العهد، ولا من المنتظرين للمسيَّا بحسب الناموس، بل كانوا غرباء عن الإيمان اليهودى، عاشوا فى بيئة وثنية، وتشكَّلت خلفيتهم الدينية فى إطار الزرادشتية، وهى ديانة ارتبطت بالتأمل فى الفلك والنجوم. ومع ذلك، لم تمنعهم خلفيتهم ولا اختلافهم من أن يكونوا طالبى حق.
لقد درس المجوس السماء بعقول يقِظة، وقلوب باحثة، فلم يكتفوا برؤية النجم، بل قرأوا معناه، ولم يكتفوا بالمعرفة النظرية، بل حوّلوها إلى مسيرة وسفر وطاعة. اجتهدوا فى البحث، وتحمَّلوا مشاق الطريق، وطول المسافة، وغُربة المكان، ومخاطر السفر، لأن الحب الحقيقى للمعرفة لا يعرف الكسل ولا التراجع. لم يكن دافعهم مكسباً أرضياً، ولا شهرة، بل شوقاً إلى الحقيقة، ورغبة صادقة فى اللقاء.
وحين وصلوا إلى الطفل، لم يأتوا بأيدٍ فارغة، بل قدّموا هدايا تحمل معانى روحية عميقة: ذهباً يعلن مُلكه، ولباناً يشهد لألوهيته، ومُراً يسبق بآلامه. غير أن أعظم ما قدَّموه لم يكن ما حملته أيديهم، بل ما سبقته قلوبهم: رحلة بحث، وسجود نابع من معرفة، وطاعة للنور الذى قادهم.
وهكذا تُعلِّمنا قصة المجوس أن محبة المعرفة هى إحدى لغات الحب، وأن الاجتهاد فى البحث عن الحق هو طريق يقود إلى اللقاء مع الله، مهما اختلفت الخلفيات والثقافات. وهى رسالة لعالم اليوم، الذى يملك أدوات المعرفة لكنه يفتقد الشغف بالحقيقة، أن يعود فيجتهد، لا ليعرف أكثر فقط، بل ليعرف الحق، لأن المعرفة حين تُقاد بالمحبة، تتحول إلى نور يهدى الإنسان، فكل عقل منفتح على النور، يمكن أن يقوده النجم -مهما بدا بعيداً- إلى مذود الخلاص.
الأمان.. صورة من صور الحب
بعد أن وُلد السيد المسيح، لم تنتهِ دروس المحبة، بل دخلت مرحلة جديدة، اتخذت فيها المحبة شكلاً مختلفاً، هو منح الأمان والحماية. فالميلاد لم يكن نهاية الألم، بل بداية طريق يمر بالخطر، حين قام هيرودس طالباً نفس الصبى ليُهلكه. وهنا تتجلى صورة الحب بعد الميلاد، فى الهروب إلى مصر، كأحد أعمق تعبيرات المحبة العملية فى تاريخ الخلاص.
وفى هذا المشهد نرى محبة إلهية تقود وتحفظ، ومحبة إنسانية تستقبل وتحتضن. فمصر، أرض الحضارة العريقة، فتحت ذراعيها للطفل الإلهى، لتصير ملجأً آمناً، لا بسيف ولا بجند، بل بقلب مفتوح.
إن أرض مصر صارت فى ملء الزمان أرض الحماية، فتم فيها قول النبى: «من مصر دعوت ابنى» (هوشع11: 1)، وصارت الأرض شاهداً على أن المحبة تغير التاريخ، وتعطى للأماكن معنى أبدياً.
الهروب إلى مصر يكشف لنا أن الحب مسئولية. مسئولية حماية الضعيف، والدفاع عن الحياة، وتوفير الأمان لمن لا صوت له. لقد قبلت مصر العائلة المقدسة دون سؤال أو شروط، واحتضنتها فى صمت، لتقدم للعالم درساً خالداً: أن أعظم صور المحبة هى التى تحمى الحياة.
إن الأمان الذى يقدمه الإنسان لأخيه هو مشاركة حقيقية فى عمل الله. فكل بيت يفتح بابه، وكل قلب يتسع للغريب، وكل مجتمع يحمى الضعفاء، إنما يكرر صورة الميلاد بعد الميلاد، ويجعل من أرضه مصر جديدة، ومن حياته ملجأً للمسيح.
إن المحبة التى ظهرت بعد الميلاد فى الهروب إلى مصر، تؤكد أن قصة الميلاد لا تنفصل عن واقع الحياة، بل تمتد إلى كل زمان ومكان، لتدعونا أن نكون صانعى سلام، وحُماةً للحياة، وشهوداً لمحبة الله التى لا تترك الإنسان وحده فى مواجهة الخوف، بل تسير معه حتى يعبر إلى الأمان.
ومن هذا المشهد، تتوجه دعوة الميلاد إلى ضمير الإنسانية كلها، لننظر إلى وجوه الأطفال المتعبين والمشرَّدين، فى بقاع كثيرة من العالم، الذين أنهكتهم الصراعات، وسلبتهم الحروب والمجاعات والظروف المناخية القاسية حقهم فى الأمان والطفولة. هؤلاء لا يحتاجون إلى شفقة عابرة، بل إلى محبة حقيقية تُترجم إلى احتواء، ورعاية، وحماية للحياة.
إن الهروب إلى مصر يدعونا نحن أيضاً أن نكون صانعى سلام، وحُماةً للضعفاء، وشهوداً لمحبة لا تعرف حدوداً أو تمييزاً. إنها دعوة لأن تتعلّم الإنسانية من الميلاد كيف تشبع بالمحبة، بالرحمة، وبالتضامن، حتى يعبر الإنسان، أياً كان، من الخوف إلى الأمان، ومن الألم إلى الرجاء.
ختاماً، ونحن نستقبل نور المولود فى قلوبنا، لا يسعنا إلا أن نترجم روح الحب، الوفاء، العطاء، الاجتهاد، والأمان التى حملها ميلاد المسيح إلى واقع نعيشه.
ولا يفوتنى فى هذه المناسبة أن أرفع باسمى، وباسم المجمع المقدس، وباسمكم جميعاً، خالص الشكر والتقدير لسيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، على زيارته الكريمة وتهنئته التى تفيض بالمودة وحرصه الدائم على مشاركة جموع المصريين فرحة العيد، والتى أصبحت رمزاً لوحدة نسيجنا الوطنى، وتعكس روح مصرنا العزيزة.
كما نثمِّن غالياً جهود سيادته المخلصة وجهود الدولة المصرية كافة فى السعى الحثيث نحو إقرار السلام والأمن فى منطقتنا، ونصلى أن يبارك الرب هذه المساعى السلمية لتتكلل بالنجاح والخير للجميع، فإلهنا هو «رئيس السلام».
كما نتوجه بفيض من الشكر لكل رجال الدولة المخلصين الذين غمرونا بصدق مشاعرهم وتهنئتهم، سواء بالحضور الكريم، أو من خلال المقابلات والمكالمات والرسائل التى تعبِّر عن عمق الروابط الإنسانية والوطنية.
أصلى إلى الله أن يحفظ مصرنا، ويديم علينا نعمة المحبة والوحدة، وأن تظل المحبة هى شعار الإنسانية وصورتها الحقيقية، أشكركم جميعاً، وكل عام وجميعكم فى خير محبة.