القس د. أندريه زكي يكتب: «سلامي أترك لكم».. صناعة السلام من القلب إلى الوطن
القس د. أندريه زكي يكتب: «سلامي أترك لكم».. صناعة السلام من القلب إلى الوطن
فى خلال حياته على الأرض، قال السيد المسيح لتلاميذه كلمات خالدة عبرت عن عطية فريدة وعميقة: «سلامى أترك لكم، سلامى أعطيكم». هذه الكلمات قيلت للتلاميذ فى لحظات كانوا يشعرون فيها بالخوف والارتباك وغموض يخيّم على مستقبلهم، لكنها حملت قوة روحية قادرة على عبور كل التحديات. لم يكن هذا السلام فكرة نظرية أو تعزية عاطفية مؤقتة، بل طاقة إلهية تملأ القلوب، وتمنح الإنسان القدرة على الثبات، وتحوله من متلقٍّ للسلام إلى صانع له فى عالم مضطرب.
يميّز المسيح بوضوح بين نوعين من السلام، تمييزاً يخاطب واقعنا المعاصر. سلام العالم هو سلام وقتى، يُفرض بالقوة، ويُحرس بالسلاح، ويقوم على توازن هشٍّ بين الخوف والمصالح. إنه سلام يقوم على الردع لا المصالحة، وعلى الصمت القسرى لا الشفاء الحقيقى. لذلك يظل سلاماً مهدداً بالانهيار فى أى لحظة تتغير فيها موازين القوى.
أما سلام المسيح فهو سلام مطلق وغير مشروط، ينبع من المصالحة مع الله، ويستمر حتى وسط الألم والاضطراب. لا يعتمد على الظروف الخارجية، ولا ينهار أمام الخسارة أو القلق. من هنا نفهم قوله الحاسم: «ليس كما يعطى العالم أعطيكم أنا». إنه سلام لا يلغى الواقع، لكنه يحرر الإنسان من الخضوع له.
لا يمكن للإنسان أن يصنع السلام إن لم يختبره أولاً. فصناعة السلام ليست مهارة اجتماعية فقط، بل ثمرة داخلية لعلاقة روحية عميقة. السلام الذى يمنحه المسيح هو عطية تسبق أى فعل أو التزام. إنه سلام يحفظ القلب والفكر، كما يقول الرسول بولس: «وسلام الله الذى يفوق كل عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم فى المسيح يسوع».
من هذا المنطلق، تبدأ صناعة السلام من الداخل، من تحرير القلب من القلق والخوف، وتسليم المستقبل لله. الإنسان القلق لا يستطيع أن يكون صانع سلام، والمرتعب لا يقدر أن يهدئ الآخرين. أما من يسكنه سلام الله، فيصير حضوره نفسه مصدر طمأنينة.
الدعوة إلى صناعة السلام لا تبدأ بالخطابات الكبرى ولا بالمواقف العلنية، بل بالدائرة الأقرب: العائلة. فى البيت تُختبر حقيقة السلام اليومية: هل نهدئ الخلافات أم نؤججها؟ هل نمد يد المصالحة أم ننتظر الطرف الآخر؟ هل نختار الكلمة الهادئة أم نترك الغضب يقود الحوار؟ عيد الميلاد يدعونا أن نكون مثل يوسف الذى حفظ العائلة فى وقت الخطر، ومثل القديسة مريم العذراء التى حفظت الأمور فى قلبها بتأمل واتزان.
المبادرة بالاعتذار، والكلمة اللطيفة، وكسر الصمت المتوتر، كلها أشكال بسيطة لكنها عميقة لصناعة السلام، وهى اللبنات الأولى لأى سلام أوسع. وفى مجتمعات سريعة الاشتعال، تصبح الكلمة مسئولية أخلاقية. فالكلمة قد تشعل نزاعاً، وقد تطفئ فتيل أزمة. صانع السلام يرفض النميمة والتحريض، ولا يشارك فى نشر الكراهية أو تضخيم الانقسام، بل يجعل لسانه منبراً للنعمة والتشجيع وبناء الجسور. السلام ليس حياداً سلبياً ولا انسحاباً من الواقع، بل موقف أخلاقى واعٍ يختار البناء لا الهدم.
الكنيسة فى الشرق الأوسط مدعوة لتكون شاهداً لسلام مختلف. سلام يفتح دائماً باب الرجاء. الكنيسة مدعوة لأن تكون مساحة شفاء، وجسراً لا حاجزاً.
فى هذا العيد، وبينما تتطلع الشعوب إلى مستقبل أكثر أماناً، نرفع صلاتنا ليملأ الله قلوبنا وبيوتنا ووطننا بالسلام. ويمنح شعوبنا نعمة المصالحة، ويعلّمنا أن نكون صانعى سلام لا بالكلام فقط، بل بالحياة. ليجعل الله سلامه حاضراً فى بيوتنا، وكنائسنا، وشوارعنا، حتى تمتلئ أرضنا من مجده. آمين.