د. الأنبا باخوم يكتب: الميلاد فرصة لكي نفرح ونُفرِح الآخرين
د. الأنبا باخوم يكتب: الميلاد فرصة لكي نفرح ونُفرِح الآخرين
لا يقتصر عيد الميلاد المجيد على كونه مناسبة دينية تحتفل بها الكنائس، بل هو حدث إنسانى عميق يحمل رسالة إلى المجتمع بأسره. فالميلاد، فى جوهره، هو دعوة مفتوحة للفرح، ليس الفرح الفردى فقط، بل الفرح المشترك الذى يُصنع عندما نمد أيدينا لبعضنا البعض، ونسعى معاً لبناء عالم أكثر سلاماً وعدالة وإنسانية.
إن ميلاد طفل صغير فى مذود بسيط يذكّرنا بأن أعظم التغييرات فى التاريخ لم تبدأ بالقوة أو النفوذ، بل بالتواضع والمحبة. هذا الطفل الذى وُلد بلا مظاهر عظمة غيّر مسار العالم برسالة قوامها السلام، والرحمة، وقبول الآخر. ومن هنا، يصبح الميلاد رمزاً للأمل، يؤكد أن التغيير الحقيقى لا يحتاج إلى إمكانيات ضخمة، بل إلى قلوب صادقة تؤمن بأن الخير قادر على الانتصار.
فى العديد من المجتمعات، التى تعانى من الانقسام والصراعات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يأتى الميلاد كفرصة حقيقية لإعادة اكتشاف ما يجمعنا لا ما يفرقنا. فهو يذكرنا بأننا على اختلاف دياناتنا وثقافاتنا، نتشارك القيم الإنسانية نفسها: الرغبة فى الأمان، والعدالة، والكرامة، والحياة الكريمة. حين نحتفل بالميلاد بهذه الروح، يتحول العيد من طقس احتفالى إلى فعل مجتمعى يعيد بناء جسور الثقة والتفاهم بين الناس.
الميلاد يدعونا إلى الفرح الفعّال، لا الفرح العابر. فرحٌ يتجسد فى مساندة المحتاج، وفى كلمة طيبة تُقال، وفى مبادرة صغيرة قد تُغير حياة إنسان. فالطفل الذى وُلد فى فقر يلفت أنظارنا إلى مسئوليتنا تجاه الفقراء والمهمشين، ويحثنا على أن يكون لنا دور، مهما بدا بسيطاً، فى تخفيف آلام الآخرين. قد يكون هذا الدور فى زيارة مريض، أو دعم أسرة محتاجة، أو نشر ثقافة التسامح بدل الكراهية.
يعلّمنا الميلاد أن كل فرد فى المجتمع قادر على إحداث فرق. فكما غيّر طفل صغير مجرى التاريخ، يستطيع كل إنسان أن يكون نقطة نور فى محيطه. لا أحد بلا قيمة، ولا فعل خير يضيع سدى. إن الابتسامة، والصدق فى العمل، واحترام الآخر، كلها أفعال بسيطة لكنها تراكمياً تصنع مجتمعات أكثر تماسكاً وعدلاً.
يحمل الميلاد رسالة سلام عالمية، فى زمن تتزايد فيه الحروب والنزاعات. فهو يذكرنا بأن السلام يبدأ من الداخل، من تصالح الإنسان مع ذاته، ومع الله، ثم يمتد إلى الأسرة، فالمجتمع، فالعالم. وحين نختار أن نحتفل بالميلاد من خلال نشر المحبة بدل العنف، والعدل بدل الظلم، نكون قد شاركنا فعلياً فى صناعة السلام، فى فرحة الميلاد.
فى النهاية، يبقى الميلاد فرصة متجددة لكى نفرح ونُفرِح الآخرين، لا بالكلمات فقط، بل بالأفعال. فرصة لنتذكر أن العالم يمكن أن يكون أفضل، وأن كل واحد منا يحمل داخله القدرة على التغيير. فالميلاد ليس ذكرى حدثٍ مضى، بل دعوة مستمرة لأن يولد الأمل من جديد فى قلوبنا، وأن نكون نحن الرسالة التى تنتظرها مجتمعاتنا.. كل عام وأنتم بخير.