أمريكا والشرق الأوسط (2)

ارتكزت الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن صعدت قوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية فى سياستها حيال منطقة الشرق الأوسط على مبدأ إيزنهاور Eisenhower Doctrine، الذى أقر فى رسالته الخاصة إلى الكونجرس فى الخامس من يناير 1957، التى شرح فيها الأوضاع فى منطقة «الشرق الأوسط»، بعد أن وضعت حرب السويس 1956 أوزارها، بضغط من الولايات المتحدة على الدول الثلاث التى اعتدت على مصر، إثر تأميم جمال عبدالناصر لقناة السويس، وهى إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، ثم إعلان البريطانيين انسحابهم من شرق خليج السويس، مما أدى، من وجهة نظر الأمريكيين، إلى فراغ سياسى وأمنى، خشيت معه واشنطن من امتداد النفوذ السوفيتى إلى شبه الجزيرة العربية ليملأ هذا الفراغ، سواء بنشر الشيوعية أو يفرض الوجود العسكرى، بطريقة أو أخرى.
وقام هذا المبدأ على أنه بوسع أى دولة أن تطلب عوناً عسكرياً أو اقتصادياً أمريكياً، حال تعرّضها للتهديد من دولة أخرى تسيطر عليها الشيوعية. ولذا تضمّن خطاب إيزنهاور أمام الكونجرس توجيهاً للقوات الأمريكية بأن تقوم بتأمين وحماية التراب الوطنى والاستقلال السياسى لدول الشرق الأوسط، لقطع الطريق على السوفيت.
تفصيلاً، قام هذا المبدأ على ثلاثة عناصر أساسية هى:
- تفويض الرئيس الأمريكى باستخدام القوة المسلحة، إذ رأى هذا ضرورياً، لحماية استقلال دولة أو عدة دول فى المنطقة، إن طلبت مساعدة، فى سبيل صد أو رد أى اعتداء عسكرى سافر، سواء من قبل السوفيت أو أى دولة أخرى تدور فى فلكهم.
- تفويض الرئيس الأمريكى فى إقرار برامج مساعدة عسكرية لأى دولة أو عدة دول، حال إبدائها، استعداداً لذلك.
- تفويض الرئيس فى مد يد العون الاقتصادى اللازم لهذه الدول لتعزيز قدراتها، بما يمكنها من الحفاظ على استقلالها الوطنى.
وكان لهذا المبدأ ثلاثة أهداف، أولها: إفهام الاتحاد السوفيتى أن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة لخوض غمار حرب من أجل التصدى لتمدّده، ورغبته فى تعزيز نفوذه فى منطقة الشرق الأوسط. وثانيها: مساندة الأنظمة الحاكمة الموالية للغرب، والتى يهدّدها المشروع الناصرى، وأعوانه. أما ثالثها فهو إيجاد صيغة للأنظمة الرافضة لسياسات عبدالناصر والتغلغل السوفيتى، بينما تقبل الارتباط مع الولايات المتحدة، عبر التحالفات وإبرام معاهدات.
فى الحقيقة لم تكن إدارة إيزنهاور ترمى من إطلاق هذا المبدأ سوى حصار مشروع عبدالناصر، الذى كان مدعوماً من موسكو، بعد اتجاهه إلى الكتلة الشرقية بإبرام صفقة الأسلحة التشيكية، وتبنيه مبدأ «عدم الانحياز» مع الزعيمين الهندى جواهر لال نهرو (1889 - 1964م) واليوغسلافى جوزيف تيتو (1892 - 1980م) والذى وُصف بأنه «حياد إيجابى» حيال القوتين المتصارعتين على العالم وقتها.
اليوم، وبعد سقوط حزبى البعث فى العراق وسوريا، وتراجع الاتجاه القومى واليسارى عموماً، وإضعاف الجماعات السياسية الإسلامية، المعتدلة والمتطرّفة معاً، لم تعد واشنطن ترى ضرورة للاستمرار بمراعاة مبدأ إيزنهاور، ولا إدارة ما ورثته عن الإمبراطورية البريطانية، وليس لديها استعداد لدفع كلفة حماية أو تدخل مباشر، فى وقت تقدم فيه إدارة ترامب المنفعة المالية على كل شىء آخر.
مثل هذا الوضع قد يخلق فراغاً استراتيجياً، وأعتقد أن اعتماد واشنطن على وكلاء بالمنطقة لا يمكن أن يملأه، الأمر الذى يفتح الباب أمام الدول الإقليمية الكبرى فى الشرق الأوسط لتفكر الآن، وليس غداً، فى سد هذا الفراغ، وهو أمر لا يمكن أن يتحقّق إلا بتفاهمها والتنسيق بينها.
صار ضرورة الآن، لأن البديل هو مزيد من عربدة إسرائيل لتوهّمها إمكانية سد الفراغ، اعتماداً على عدم اتفاق القوى الإقليمية الكبرى، أو لتوظيفها علاقاتها مع بعض الأطراف فى المنطقة مرحلياً، من أجل تحقيق رغبة قديمة فى الهيمنة على المنطقة.