«عبدالجليل».. الأخلاق العلم الوطنية
ما أجمل الوطن الذى يُنجب قامات إنسانية بحجم هذه الشخصية التى قد يختلف معها البعض، لكنهم جميعاً يتفقون على احترامها. رجل سخّر حياته لخدمة وطنه ومواطنيه ومهنته، لم يساوم على مبادئه، فظلت سيرته ناصعة البياض. لا يُذكر اسمه فى محفلٍ إلا ويُسبق بوصفٍ يليق به: رجلٌ محترم، دمث الخلق، عفيف اللسان، متواضع تواضع العلماء الكبار. ولعل أفضل ما قِيل عنه إنه «رجلٌ يُعرَفُ الحقُ به»، وأصدق ما قال هو عن نفسه: «أنا مجرد مصرى يحاول أن يكون إنساناً وطنياً».
يفضل العمل فى صمت، والجلوس فى الصفوف الخلفية، لا تُغريه الأضواء ولا تستوقفه الشهرة. إنه العالم الجليل الأستاذ الدكتور عبدالجليل مصطفى، أستاذ الباطنة الشهير بقصر العينى، وأحد أساطين الطب فى مصر والعالم العربى، وممن يؤمنون بأن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة، وأخلاق قبل أن يكون علماً.
«د. عبدالجليل» الذى لم أتشرف إطلاقاً بلقائه -من سوء حظى- ولكن ما سمعته عنه يجعلنى أشعر بالفخر أننى أنتمى إلى نفس المحافظة التى ينتمى إليها وإلى البلد الذى يحمل جنسيته. العالم الجليل من مواليد الدقهلية فى 25 ديسمبر 1934، وتخرّج فى كلية الطب بجامعة القاهرة، وحصل على الدكتوراه عام 1966. تقلّد خلال مسيرته مناصب أكاديمية وإدارية عديدة، وقاد مؤسسات ومستشفيات انتقلت على يديه من الخسارة إلى الربح، ومن القصور إلى الكفاءة، وظل عطاؤه الإنسانى ممتداً للمرضى والمحتاجين بلا ضجيج.
لم تكن مهنته يوماً وظيفة، بل رسالة إنسانية وعلمية خالصة. لم يكن أستاذ الباطنة بقصر العينى محاضراً يُلقى العلم من خلف منصة فحسب، بل طبيباً حاضر الضمير، ومعلّماً يؤمن أن الإنسان يسبق المرض فى كل معادلة علاج. عرفه طلابه قبل زملائه، صارماً فى العلم، رحيماً فى التوجيه، لا يبخل بخبرة ولا يضنّ بنصيحة. علّم أجيالاً كيف يُصغون للمريض قبل قراءة التحاليل، وكيف يحفظون للعقل العلمى صرامته دون أن يفقدوا الحس الإنسانى.
كما لم ينعزل عن قضايا مجتمعه أو مهنته، كان حاضراً فى النقاش العام كلما تعلّق الأمر بالصحة، أو كرامة الطبيب، أو حق المريض. أو هموم الوطن، وحتى اليوم هو فى عامه الثانى والتسعين، ما زال قلبه نابضاً بحب الوطن، يحمل همومه ويحلم بنهضته.
الدكتور عبدالجليل مصطفى الرجل الذى احترم نفسه فاحترمه الجميع نقدمه قدوةً تُحتذى، فهو ليس مجرد اسم فى سجل أساتذة قصر العينى، بل علامة إنسانية فى مسيرة الطب المصرى، ونموذج لطبيبٍ عاش للعلم، واحترم المهنة، وظل وفياً للإنسان.
بارك الله فى عمره وعلمه وعمله، ومتعه بالصحة والسعادة.