أشرف غريب يكتب: الصعود من الهاوية إلى القمة

كتب: محرر

  أشرف غريب يكتب: الصعود من الهاوية إلى القمة

أشرف غريب يكتب: الصعود من الهاوية إلى القمة

قبل تسعة وعشرين عاماً، وبالتحديد فى الثالث عشر من يناير 1997، رحلت الممثلة مديحة كامل بعد سنوات قليلة من قرارها المفاجئ اعتزال الفن وارتداء الحجاب، ورغم سنوات اعتزالها ثم رحيلها التى تجاوزت الثلاثة عقود فإن كثيرين لا يزالون ينظرون إليها على أنها أيقونة عقد السبعينات وما بعدها، رغم أن نجوميتها لحقت بالكاد بهذا العقد المدجج بالنجمات، وعلى رأسهن ميرفت أمين ونجلاء فتحى، بالإضافة إلى نيللى وبوسى ونورا وسهير رمزى وشمس البارودى وصفية العمرى، جنباً إلى جنب مع نجمات سبقنهن كسعاد حسنى ونادية لطفى، ومع هذا شقت مديحة كامل الطريق، ووجدت لنفسها مكاناً لائقاً بين نجمات الصف الأول فى محاولة لتعويض تعرجات المشوار الصعب.

ظهرت مديحة كامل على شاشة السينما عام 1964 فى وقت كانت فيه السينما المصرية لا تزال مُصرة على الإمساك ببطلاتها المعتادات، سواء من جيل فاتن حمامة وشادية، أو من بنات الجيل اللاحق عليهن متمثلاً فى لبنى عبدالعزيز وزبيدة ثروت ونادية لطفى وسعاد حسنى، ومن هنا كانت البداية غاية فى الصعوبة بالنسبة لابنة الإسكندرية التى تركت مدينتها الجميلة جرياً وراء الحلم الكبير، ومع ذلك استطاعت مديحة بعد عدد محدود من الأدوار الصغيرة أن تقف على أعتاب البطولة الأولى فى فيلم «30 يوم فى السجن» من إخراج نيازى مصطفى سنة 1966، لكن قدر مديحة أنها بمجرد أن تذوقت حلاوة البطولة الأولى كانت مصر كلها قد دخلت فى أجواء هزيمة سياسية وعسكرية خانقة عام 1967 دفعت بصُناع السينما إلى الهجرة خارج مصر فى لبنان وتركيا، فماذا تفعل مديحة بأحلامها المتكسرة؟ لقد طارت مع من طار إلى لبنان، وهناك لم يكن ثمة شىء يحفز على النجاح الفنى، فقط مجرد وجود وبضع ليرات وأشياء لا تضيف إلى الفنان أى تجارب حقيقية.

وكان من الممكن أن تتوه مديحة كامل مع من تاهوا فى ضباب الغربة، وكان من الجائز أن تبقى فى مرحلة الأدوار المساعدة التى استهلكت منها ما يقرب من أربعة عشر عاماً من عمرها الفنى، وخاصة بعد عودة الطيور المهاجرة إلى أحضان السينما المصرية، لكن القدر كان رفيقاً بحلمها وبتجربتها المنقوصة حتى ذلك الوقت، كانت مديحة بحاجة إلى النقلة النوعية الكبرى التى تعوض بها تأرجح السنوات السابقة، إلى مخرج يؤمن بقدرتها الخاصة على التجسيد، إلى منتج يصبح أكثر قناعة باستطاعتها تحمل مسئولية الفيلم فى شباك التذاكر، باختصار لقد كانت بحاجة إلى فيلم يعيد صياغة شخصيتها الفنية، ومن ثم يعيد طرح اسمها على خريطة نجومية السينما من جديد، لا سيما وأن مرحلة تغيير جلد بطلات السينما المصرية قد حلت قبل سنوات فى غفلة عن مديحة، وأوشك قطارها على أن يتركها حيث هى ممثلة للأدوار المساعدة أو البطولات الجماعية.

نحن الآن فى عام 1978 بعد أربعة عشر عاماً من ظهور مديحة كامل على شاشة السينما، والمخرج الكبير كمال الشيخ يعد لتقديم رواية ماهر عبدالحميد وصالح مرسى «الصعود إلى الهاوية» فى فيلم سينمائى مهم يحكى عن فتاة مصرية خانت بلدها وعملت جاسوسة لصالح الموساد الإسرائيلى، وكان الترشيح المبدئى متجهاً نحو سعاد حسنى، لكن السندريللا خافت أن يخدش دور هذه المصرية الخائنة حظوتها لدى جماهيرها العاشقة، فاعتذرت عن عدم قبول الدور، فاتجه ترشيح المخرج المحنك على الفور إلى الممثلة التى تملك جرأة قبول دور كهذا، وتتشوق إلى النقلة المنشودة التى طال انتظارها.. وقبلت مديحة كامل دور الجاسوسة «هبة سليم» أو عبلة كامل حسبما ظهرت فى فيلم «الصعود إلى الهاوية» فكان نجاحه بالفعل عوضاً عن سنوات الانتظار لتخرج بعده ممثلة من طراز خاص وإحدى نجمات الصف الأول.. صعدت الجاسوسة إذن إلى الهاوية بينما صعدت مديحة كامل إلى القمة، وهو ما ظلت تحافظ عليه حتى اعتزالها المفاجئ عام 1992.

استطاعت مديحة كامل بعد هذا الدور أن تملأ مساحة بعينها من الأدوار لشخصيات اتسمت بالجرأة دون ابتذال، وبالخير دون مثالية، أو قل إنها أجادت تقديم الشخصيات الرمادية التى يمكن أن تجد بكثرة مثيلة لها فى الواقع بعيداً عن رومانسية وبراءة كل من نجلاء فتحى وميرفت أمين أو حسية ناهد شريف على سبيل المثال، هذه الوسطية -فى ظنى- هى التى أكسبت مديحة كامل ذلك الحضور الدائم فى أذهان الجمهور رغم مرور ما يزيد على ثلاثين عاماً على اعتزالها الفن وارتدائها الحجاب.

وربما جاء كتاب «مديحة كامل سنوات الظهور والاختفاء» للصحفى الشاب محمد سرساوى قبل أربع سنوات وما حظيه من استقبال طيب من جانب القارئ المصرى والعربى ليؤكد أن تتابع الأجيال من نجمات السينما منذ اعتزالها ورحيلها لم ينل من حضورها اللافت ليس فقط عند أجيال عاصرت ظهورها وسنوات انتشارها، وإنما أيضاً لدى أجيال لم تعرف لها سوى سنوات الاختفاء والرحيل.


مواضيع متعلقة