مي سمير تكتب: تقرير استخباراتي أمريكي.. 4 سيناريوهات للاستحواذ على «جرينلاند»
مي سمير تكتب: تقرير استخباراتي أمريكي.. 4 سيناريوهات للاستحواذ على «جرينلاند»
هل نحن أمام هوس جغرافى جديد فى واشنطن، أم تحرك استراتيجى محسوب داخل صراع القوى الكبرى على القطب الشمالى؟ وهل «جرينلاند» مجرد جزيرة بعيدة على خريطة باردة، أم أنها تتحول، حسب تقديرات مركز تحليل استخباراتى غربى قريب من دوائر القرار، إلى مفتاح لملفات الردع الصاروخى، والمراقبة الفضائية، وسلاسل المعادن الحيوية، وممرات الشحن العابرة للقطب؟ ثم السؤال الأكثر حساسية: إلى أى مدى يمكن للولايات المتحدة أن تضغط على حليف داخل الناتو مثل الدنمارك، بينما ترفع فى الوقت نفسه شعار «النظام القائم على القواعد» فى مواجهة روسيا والصين؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل تكتسب معناها الكامل فى ضوء العملية الأمريكية الأخيرة فى فنزويلا مطلع يناير، التى مثَّلت تحولاً نوعياً فى استعداد واشنطن لاستخدام القوة المباشرة ضد دول العالم لتحقيق أهداف سياسية وأمنية محددة، فالرسالة التى حملتها تلك العملية لم تكن محصورة بالساحة اللاتينية، بقدر ما كانت إشارة أوسع إلى أن الولايات المتحدة أصبحت أقل تردداً فى الانتقال من الضغط الدبلوماسى إلى العمل العسكرى والاستخباراتى متى اعتبرت أن مصالحها الاستراتيجية تستدعى مثل هذا التحرك.
الإشارة الأخطر أن الولايات المتحدة لم تعد تهتم كثيراً بصورتها الدولية ولا يعنيها كيف يُنظر لهذه التحركات التى لا تحترم سيادة الدول أو القانون الدولى.
ووفق تحليل لمركز ستراتفور، مركز الأبحاث الأمريكى الذى يتم وصفه بأنه واجهة تتحدث باسم المخابرات الأمريكية، فإن عام 2026 قد يشهد توسعاً فى أدوات الضغط الأمريكى على «جرينلاند»: من تعزيز الوجود العسكرى، إلى الإكراه الاقتصادى والسياسى، وصولاً إلى احتمال تدخل أحادى يهدف إلى تكريس النفوذ الأمريكى فى القطب الشمالى على حساب السلطة الدنماركية، مع توقع ردود «محسوبة» من روسيا والصين وأوروبا.

أدوات الضغط على «جرينلاند» تتوسع من تعزيز الوجود العسكرى إلى الإكراه الاقتصادى والسياسى.. و«واشنطن» تراهن على مفاتيح الاقتصاد والهوية السياسية وتعميق الانخراط مع سلطات الجزيرة وتوسيع نطاق الحكم الذاتى للاستقلال عن الدنمارك
وفى خلفية هذا التصعيد، يظهر «ترامب» بوصفه محركاً سياسياً مباشراً للمسألة، فمنذ حملة 2024 وعودته إلى البيت الأبيض فى يناير 2025، كرّر اهتمامه بالجزيرة، مصوراً إياها على أنها أصل للأمن القومى الأمريكى، ومشيراً بعبارات صريحة إلى أن «الملكية والسيطرة» ضرورة لمواجهة النفوذ الروسى والصينى.
واللافت هنا ليس فقط مضمون الخطاب، بل إصراره على عدم استبعاد وسائل الإكراه، الأمر الذى حوّل ملف جرينلاند من نقاش جيوسياسى إلى توتر دبلوماسى بين التحالف الأمريكى الأوروبى.
ويُبرز مركز «ستراتفور» لحظة مفصلية فى نهاية ديسمبر 2025: تعيين حاكم لويزيانا جيف لاندرى مبعوثاً خاصاً إلى جرينلاند، وهى خطوة دفعت كوبنهاجن إلى استدعاء السفير الأمريكى احتجاجاً، بما عكس أن الملف لم يعد مجرد كلام انتخابى أو مناورة إعلامية.
وبعد العملية العسكرية الأمريكية فى فنزويلا يوم 3 يناير، عاد ترامب ليؤكد للصحفيين أن الولايات المتحدة تحتاج قطعاً إلى جرينلاند للدفاع، فى رسالة تفيد بأن واشنطن قد تكون مستعدة للانتقال من الضغط الرمزى إلى الضغط التنفيذى.
صفقة معقدة
«جرينلاند»، وفق قانون 2009 للحكم الذاتى، إقليم يتمتع بقدر كبير من الاستقلال داخل مملكة الدنمارك، بينما تحتفظ كوبنهاجن بملفات الدفاع والسياسة الخارجية والنظام النقدى. ومن الناحية النظرية، يتيح القانون مساراً واضحاً للاستقلال: قرار من برلمان جرينلاند، ثم استفتاء، ثم تفاوض مع الدنمارك، لكن مركز ستراتفور يلفت الانتباه إلى «العقدة» الأساسية: الاقتصاد، فالجزيرة تعتمد بشكل كبير على منحة دنماركية سنوية تمول جزءاً كبيراً من الإنفاق العام والخدمات الأساسية، ما يجعل الاكتفاء المالى شرطاً صعباً لأى قفزة استقلالية سريعة.
ومع ذلك، لا يقلل مركز ستراتفور من حقيقة أن الاستقلال هدف سياسى حاضر بقوة لدى معظم سكان جرينلاند، وأن انتخابات مارس 2025 أفرزت ائتلافاً جديداً بقيادة ينس فريدريك نيلسن يميل إلى تدرج سيادى بدلاً من قطيعة فورية. وفى مواجهة الضغط الأمريكى، يتمسك قادة جرينلاند بحق تقرير المصير، فالمستقبل يقرره شعب الجزيرة لا القوى الخارجية، وهو رد لا يستهدف واشنطن وحدها بقدر ما يحمى شرعية المشروع الوطنى داخلياً.
سر جرينلاند
يقدم مركز ستراتفور تفسيراً مركباً، وهو أن جرينلاند ليست موقعاً فقط، بل منصة، فموقعها فى القطب الشمالى يمنح الولايات المتحدة مزايا حاسمة للدفاع الصاروخى والإنذار المبكر والفضاء والاستخبارات، وهى على تقاطع مسارات جوية وبحرية عابرة للقطب، وعلى المسار الأقصر نظرياً للصواريخ القادمة من روسيا، ما يجعلها نقطة أمامية لمراقبة النشاط العسكرى الروسى، وتأمين الكابلات البحرية، وإسقاط القوة فى شمال الأطلسى والقطب.
وهناك طبقة ثانية هى الموارد، مثل الأتربة النادرة والمعادن الحيوية واحتياطيات هيدروكربونية محتملة، وكلها تدخل فى قلب صراع سلاسل الإمداد والتكنولوجيا.
وطبقة ثالثة هى الصين، فواشنطن لا تقرأ الجزيرة بمعزل عن تمدد بكين فى البحث والاستثمار وطرق الشحن القطبية، ولا عن صعود القدرات العسكرية الروسية فى الشمال العالى.
ويذكر مركز ستراتفور أن الولايات المتحدة ليست غريبة عن جرينلاند، فلديها وجود عسكرى طويل الأمد يتمركز حول قاعدة بيتوفيك الفضائية (ثول سابقاً)، بما تضمه من رادارات إنذار مبكر وقدرات دفاع صاروخى ومراقبة فضائية، والفارق فى 2026 ليس الوجود، بل مستوى السيطرة وكيفية فرضها، هل عبر اتفاقات شرعية أو عبر فرض أمر واقع؟
السيناريوهات الأربعة
السيناريو الأول الذى يطرحه التقرير الاستخباراتى هو اتفاق ثلاثى بين (واشنطن، وكوبنهاجن، ونوك)، وهذا السيناريو يقوم على تسوية تفاوضية تحقق واشنطن منها أهدافها الاستراتيجية، وتحصل جرينلاند على دعم اقتصادى وبنية تحتية وشراكات تكنولوجية وبيئية، والدنمارك بالسيادة الرسمية.
ويرى المركز أن دوافع الاتفاق قد تتضمن حزمة مساعدات واستثمارات فى الموانئ والمطارات والاتصالات البحرية ونقل التكنولوجيا، مع توسعة التعاون الأمنى (تدريبات، قوات بالتناوب، استخدام مطارات مدنية لأغراض عسكرية، تبادل استخباراتى) تحت مظلة قانونية ثلاثية، لكنه يضع قيوداً ثقيلة، مثل قبول كوبنهاجن اتفاقاً بعد أشهر من الخطاب الأمريكى الحاد، وخاصة تحت تهديد رسوم جمركية وتدابير عقابية، قد يفجر رد فعل داخلياً يزعزع الحكومة، كما أن الدنمارك ستطالب بإطار يمنحها كلمة فاصلة أو أفضلية ما، وهو ما يرجّح أن إدارة ترامب سترفضه، ومن ناحية «نوك» قد تواجه الصفقة على أنها تنازل عن طموح تقرير المصير لصالح شريك أكبر.
السيناريو الثانى هو توسيع الوجود العسكرى دون تغيير الوضع القانونى، وهذا هو السيناريو هو الأكثر ترجيحاً فى تقييم مركز ستراتفور، فواشنطن توسع بصمتها العسكرية عبر استغلال غموض الاتفاقات الدفاعية القائمة مع الدنمارك، وتقدم ذلك كخطوة تقنية دفاعية ضد روسيا والصين، وهنا تظهر عقدة «اتفاق إيجاليكو 2004» الذى ينص على التشاور قبل تغييرات كبيرة فى العمليات أو المنشآت وكوبنهاجن تعتبر التشاور حقاً عملياً للفيتو أو رفض ما تريد، بينما قد تدفع واشنطن بأن التشاور إجراء شكلى لا يقيدها.
وفى هذا السيناريو، يتوقع مركز ستراتفور احتجاجاً دنماركياً وأوروبياً، لكن دون خطوات عقابية كبيرة من الاتحاد الأوروبى، خوفاً من الانتقام الأمريكى ولأولوية التعاون مع واشنطن فى ملفات مثل أوكرانيا، وفى المقابل ستضغط «نوك» للموافقة مقابل ضمانات أمنية وحوافز استثمارية.
استهداف الجزيرة بعملية عسكرية يُعرض «الناتو» لتجويف سياسى ويزيد سلوك التحوط الأوروبى لبناء آليات دفاع أكثر استقلالاً عن «واشنطن»
السيناريو الثالث هو النفوذ الاقتصادى والسياسى، وهنا تراهن واشنطن على مفاتيح الاقتصاد والهوية السياسية، مثل تعميق الانخراط مع سلطات جرينلاند، وتشجيع حكم ذاتى أوسع، وربما استقلال، على المدى الأطول عن الدنمارك، وأدوات ذلك مساعدات مالية، وتعبئة استثمارات خاصة أمريكية، ومشاريع فى الموانئ والمطارات والطاقة والتعدين والاتصالات، وحملة سردية تشكك فى قدرة الدنمارك على الدفاع والاستثمار بما يكفى، مع تلميحات، ضمنية أو صريحة، باعتراف أمريكى بجرينلاند المستقلة ودعمها أمنياً واقتصادياً.
لكن مركز ستراتفور لا يقدم هذا السيناريو كقصة سهلة، فاقتصاد الجزيرة ما زال معتمداً على الإعانات الدنماركية، واستبدالها أمريكياً ممكن مالياً، لكنه قد يكون مثيراً للجدل سياسياً داخل الولايات المتحدة، كما أن الهندسة السياسية قد تخلق رد فعل قومياً داخل جرينلاند خوفاً من استبدال إشراف دنماركى بهيمنة أمريكية، وسترد الدنمارك بزيادة الإعانات والاستثمارات وتقديم تنازلات للحفاظ على النفوذ، ما يرفع كلفة المنافسة.
السيناريو الرابع والأخير هو التدخل العسكرى المباشر وفرض أمر واقع تحت ذريعة أزمة قطبية، وهذا هو السيناريو الأخطر لأنه يتضمن تدخلاً أحادياً أمريكياً، غالباً تحت ذريعة أزمة أمنية حادة فى القطب، ومبررات مثل هذا التحرك قد تتضمن مثلاً معلومات عن استعدادات روسية لضرب بنية تحتية، أو تخريب كابلات بحرية، أو نشر أنظمة صاروخية متقدمة، أو استغلال اضطراب داخلى فى جرينلاند لوضع موطئ قدم، وفى هذا السياق قد تقول واشنطن إن الدنمارك لا تملك القدرة أو الإرادة، فتتحرك منفردة للسيطرة على مطارات وموانئ ومنشآت أقمار صناعية وعقد اتصالات، بعملية سريعة محدودة البصمة تعتمد على الهيمنة الجوية والبحرية أكثر من الاحتلال البرى.
ويرى مركز ستراتفور أن الدنمارك ستحتج وتطلب دعم الاتحاد الأوروبى والناتو، لكن من غير الواقعى أن تواجه القوات الأمريكية، وقد تندلع احتجاجات محلية فى جرينلاند، وأى قمع لها سيكلف واشنطن سمعتها.
أزمة فى الناتو
فى حال استهداف جرينلاند بعملية عسكرية فإن الأثر الأكبر هنا ليس عسكرياً فقط، بل مؤسسى، وهذا السيناريو يفتح سؤال المادة 5 داخل الناتو: ماذا لو اعتدى عضو على عضو؟
وعلى المدى الطويل لن «ينهار» الناتو فوراً، لكن قد يتعرّض لتجويف سياسى وتزايد سلوك التحوط الأوروبى وبناء آليات دفاع أكثر استقلالاً.
روسيا، وفق مركز ستراتفور، سترد بإشارات عسكرية وحرب معلومات واستغلال الشقوق داخل الناتو، مع تجنب الصدام المباشر، والصين ستدين التدخل وتناور دبلوماسياً واقتصادياً، وقد تستخدم أدوات مثل ضوابط تصدير (الأتربة النادرة) إذا مُسّت أصولها، مع تعميق تعاونها القطبى مع روسيا بشكل محسوب.
ويطرح مركز ستراتفور، ولو بين السطور، حقيقة محرجة، وهى أن الولايات المتحدة تريد تثبيت نفوذها فى القطب الشمالى تحت عنوان الأمن القومى ومواجهة روسيا والصين، لكن الأدوات المحتملة، من التهديد بالرسوم، إلى إعادة تفسير الاتفاقات، إلى التدخل الأحادى العسكرى، تخلق تناقضاً أخلاقياً وسياسياً يصعب تغطيته.
فإذا كانت واشنطن تدين موسكو وبكين على منطق «المجال الحيوى» وفرض الوقائع، فكيف تبرر لنفسها ممارسة الضغط على إقليم يتمتع بالحكم الذاتى داخل دولة حليفة فى الناتو؟ وإذا كانت ترفع شعار النظام القائم على القواعد، فأى رسالة تبعثها حين تلمح إلى أن التشاور مجرد إجراء شكلى، أو حين تلوح بالإكراه الاقتصادى لتغيير خرائط النفوذ؟
الخطورة هنا ليست فقط على جرينلاند أو الدنمارك، بل على «العلامة التجارية» الأمريكية ذاتها، حين يصبح القانون الدولى أداة اختيارية تتحول القوة من رصيد ردع شرعى إلى مصدر شك دائم حتى لدى الحلفاء. وفى عالم يتجه بسرعة إلى صراع أقطاب، قد تكون أكبر هدية تقدمها واشنطن لمنافسيها هى أن تقنع أوروبا، بأفعالها لا بخطاباتها، أن «الحليف الأكبر» قد يصبح، عند الحاجة، مصدر الضغط الأكبر أو العدو الأكبر.