بيان «حماس» بين التكتيك والتأكيد

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

رغم التباطؤ الواضح فى الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة، وعدم التزام نتنياهو بفتح معبر رفح رغم الوعود والتأكيدات التى أعطاها للرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى زيارته الأخيرة لواشنطن قبل نهاية العام الماضى بأيام قليلة، فإن حركة حماس ما زالت حريصة على عدم إفشال الاتفاق رغم الانتهاكات الكثير والاستفزازات المستمرة التى يمارسها جيش الاحتلال فى غزة منذ إعلان الهدنة قبل نحو شهرين ونصف.

قبل يومين أصدرت حركة حماس بياناً أكدت فيه قرارها الواضح بحل الجهات والمؤسسات الحكومية التى تدير الأوضاع الإدارية فى قطاع غزة، وإصدار توجيهات لكب الجهات الحكومية بالجهوزية التامة لتسليم كل المجالات والمسئوليات إلى لجنة تكنوقراطية فلسطينية مستقلة من شخصيات مستقلة وخبراء غير حزبيين.

هذا الإجراء يأتى فى إطار المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهو دعوة لتسريع تشكيل هذه اللجنة التكنوقراطية، مع الإشارة إلى أن حماس قدّمت مواقف إيجابية متقدّمة فى ترتيب الوضع الفلسطينى. البيان يُمثل خطوة إيجابية من حماس نحو التخلى عن الإدارة المدنية والحكم اليومى فى غزة، مقابل الاحتفاظ بالبُعد العسكرى فى محاولة لتسهيل تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق وتسريع إعادة الإعمار، ووسط توتر مستمر حول مصير السلاح، خاصة أن إسرائيل ونتنياهو تربط التقدم فى مسار المرحلة الثانية بشرط نزع سلاح الحركة، وهو ما لم يذكر فى البيان، ولم تشر إليه الحركة، مما يشير إلى أن حماس تحتفظ بموقفها العسكرى، ولن تتخلى عن سلاحها.

يُمثل البيان خطوة نحو توحيد السلطة الفلسطينية، حيث يتيح لحماس التنازل عن الإدارة اليومية لغزة، مقابل تشكيل حكومة تكنوقراطية غير حزبية، تحت إشراف «مجلس السلام» الذى اقترحه الرئيس الأمريكى ترامب، وهو يسهل عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، لكن ذلك يعتمد على موافقة إسرائيل والولايات المتحدة على أعضاء اللجنة، والتى لم تحدّد بعد، ومع ذلك فإن عدم تحديد جدول زمنى واضح قد يؤدى إلى تأخير أو فشل فى التنفيذ.

ومن الناحية الأمنية فإن غياب ذكر لنزع سلاح المقاومة يعنى أن حماس لن تتنازل عن سلاحها، مما يسمح لها بالتركيز على الجانب العسكرى بدلاً من الإدارى، وقد يُفسر ذلك كإعادة تموضع استراتيجى لحماس لا كاستسلام، وقد يؤدى ذلك إلى تصعيد التوترات مع إسرائيل، التى تُخطط لعملية عسكرية محتمَلة فى غزة للقضاء على التهديد العسكرى لحماس، كما أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للهدنة، بما فى ذلك استشهاد أكثر من 430 فلسطينياً منذ أكتوبر 2025 يشير إلى انعدام الثقة بين الطرفين.

وعلى المستوى السياسى الدولى يأتى البيان فى سياق اتفاق شرم الشيخ الذى توسّطت فيه الولايات المتحدة، والذى يشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً وقوة استقرار دولية، وقد يرى كنجاح جزئى للدبلوماسية الأمريكية، لكنه يثير تساؤلات حول فاعليته إذا لم يتم تطبيقه، مما يؤدى إلى انهياره ويعيد المنطقة إلى الصراع مرة أخرى، وأخيراً فإن تسليم إدارة قطاع غزة لحكومة تكنوقراط غير حماس قد يفتح الباب لإعادة الإعمار وتدفّق المساعدات، ويفوت الفرصة على الذرائع والحجج الإسرائيلية التى تسعى لإفشال الاتفاق، وبشكل عام يبدو البيان كمناورة تكتيكية لحماس، لتخفيف الضغوط الداخلية والدولية دون التخلى عن قوتها الأساسية، غير أن احتمالات العودة للعنف لا تزال قائمة، فى ظل سلام هش لم يتمكن من تحقيق أهدافه حتى الآن.