مئويته تحل بعد أيام.. عشرة دروس للأجيال الشابة من يوسف شاهين!

بقلم: عصام زكريا كتب: محرر

مئويته تحل بعد أيام.. عشرة دروس للأجيال الشابة من يوسف شاهين!

مئويته تحل بعد أيام.. عشرة دروس للأجيال الشابة من يوسف شاهين!

بعد أيام تحل مئوية واحد من أهم صناع الأفلام المصريين والعرب، وهو المخرج يوسف شاهين، الذى ولد فى 25 يناير منذ مائة عام، ومات فى 27 يوليو 2008 عن عمر يناهز الثمانين وثلاثة أعوام، صنع خلالها ما يزيد على 40 فيلماً طويلاً وقصيراً خلال فترة تمتد من 1950 بأول أفلامه «بابا أمين» حتى 2007 مع آخر أفلامه «هى فوضى».

بكل المقاييس يعد يوسف شاهين أشهر اسم سينمائى عربى محلياً وإقليميا وعالميا، وهو صاحب العدد الأكبر من الكلاسيكيات التى تتصدر أى استطلاع رأى عن أفضل الأفلام العربية، والعدد الأكبر من المشاركات والحصول على جوائز فى المهرجانات الدولية، ومنها الدب الفضى فى برلين وسعفة كان والتانيت الذهبى لقرطاج وغيرها.

كيف استعددنا للاحتفال بذكرى شاهين؟

كل ما سبق هو غيض من فيض معلومات معروفة للدانى والقاصى عن الرجل الذى لا يحتاج إلى تقديم، ربما يخجل المرء من تكرارها بهذا الشكل، ولكنها مقدمة ضرورية للتساؤل عما استعدت به الأوساط السينمائية المصرية للاحتفال بمرور 100 عام على ميلاد يوسف شاهين؟

من حسن الحظ أن لدى «شاهين» ورثة يحفظون ميراثه ويعدون مؤسسة ومتحفاً يحملان اسمه فى العمارة الشهيرة التى ضمت شركته ومكتبه فى شارع شامبليون بوسط البلد، أتمنى أن يتم افتتاحه رسمياً هذا العام، كما آمل أن تعقد فعاليات تستمر حتى نهاية العام من خلال المهرجانات والكيانات السينمائية المختلفة.

هناك أيضاً احتفال بالمئوية فى معرض الكتاب القادم أعلن عنه الدكتور أحمد مجاهد، مدير المعرض، وفيلم بقناة الوثائقية، وفيلم يقوم بإعداده المركز القومى للسينما، وهناك كتاب صدر حديثاً يتناول أعماله من تأليف باسل رمسيس، وبالتأكيد هناك فعاليات أخرى لا أعرف شيئاً عنها بعد.

لكن الجهة التى سبقت كل هؤلاء كانت معهد الفيلم البريطانى الذى أصدر نسخة مرممة على «دى فى دى» و«بلو-راى» من فيلمى «باب الحديد» و«القاهرة منورة بأهلها» ضمن مطبوعات سلسلة «كريتريون» المتخصصة فى ترميم وطبع كلاسيكيات السينما العالمية.

كان حب الفن وصناعة الأفلام هو الحب الأكبر وربما الوحيد فى حياة يوسف شاهين، وهذا الشغف لم يفارقه يوما

1

الدرس الأول: الطموح

الاحتفال بمئوية شاهين، مثلما مع أى مبدع أو مفكر نستدعى ذكراه، يجب أن يكون بمشاهدة أو قراءة أعماله ودراستها ليس من باب التقديس المطلق، ولكن حتى يمكن أن نفهمها ونتعلم منها ثم نتخطاها بأعمال أفضل.

والدروس التى تركها «شاهين» كثيرة هذه بعضها:

أول درس نتعلمه من يوسف شاهين هو الطموح الذى اتسم به منذ مراهقته المبكرة: أن يكون فناناً عالمياً.

لم يتوقف أمام الفقر أو الفشل أو الظروف. سافر إلى آخر العالم ليتعلم، وعاد ليصنع أفلاماً يغزو بها العالم.

حمل بكرات الأفلام على كتفيه وسافر بها إلى المهرجانات، وتحدى حواجز اللغة والعنصرية وضعف الإنتاج وأصر على توصيل صوته ورؤيته.

كان يردد لنفسه أنه ليس أقل من أى مخرج عالمى، وبقدر أهل العزم تأتى العزائم، كما يقال.

الدرس الثانى: النظرة الإنسانية

منذ بداياته، امتلك «شاهين» نظرة «كونية»، «إنسانية»، تمجد الكرامة والنبل وتتعاطف مع الضعفاء والمظلومين ولا تنحاز ضد المختلفين فى الجنس أو الجنسية أو الدين أو اللون. وهذه الرؤية هى عماد أى فنان حقيقى، فضلاً عن أن يكون فناناً «عالمياً».

صحيح أن «شاهين» كان معجوناً بهموم مصر وأهلها، ولكن رؤيته تتجاوز المحلية بحيث تتيح له أن يرى موضوعاته وشخصياته بشكل «عالمى»، وأن يرى نفسه كإنسان عالمى.

الدرس الثالث: امتلاك الصنعة

منذ فيلمه الأول اهتم يوسف شاهين بتقنيات اللغة السينمائية، مهما كان نوع الفيلم وموضوعه وشكل إنتاجه، فكان يبحث دائماً عن طرق مبتكرة للتعبير بالصورة والمونتاج وبقية العناصر الفنية، غير مكتفٍ بأنه يقدم حكاية أو أغانى أو كوميديا لتسلية الجمهور.

«عفريت» يوسف شاهين كان هؤلاء الذين يكتفون بالتسلية دون أن يفكروا فى إمكانيات وجماليات الوسيط الذى يعملون من خلاله أو فى تقديم شىء مفيد للمشاهدين: مفيد بمعنى رفع درجة وعيهم بأنفسهم وواقعهم، أو بالارتقاء روحياً من خلال الانتشاء بالجمال الفنى.

حتى الأفلام التى اضطر أحياناً أن يصنعها بسبب احتياجه إلى المال، كما فى أفلامه الغنائية مع فريد الأطرش «ودعت حبك» و«إنت حبيبى» أو الميلودرامية مثل «نساء بلا رجال» و«حب إلى الأبد» و«بين إيديك»، أو التى صنعها بتكليف مثل «الناصر صلاح الدين» و«جميلة» و«الناس والنيل» كان يحرص على تقديمها بشكل متقن، مع بعض الابتكارات الفنية هنا وهناك.

الدرس الرابع: المعرفة

درس «شاهين» المسرح والتمثيل وأحب الاستعراضات والموسيقى واهتم بمتابعة الجديد فى السينما ومشاهدة أفلام كبار المخرجين، والقراءة باستمرار فى الأدب والسينما.

لقد أدرك أن على مخرج السينما أن يفهم فى الأدب والمسرح والموسيقى والرقص والفن التشكيلى. وبجانب هذا حرص على متابعة العالم من حوله، والانخراط فى الحياة الثقافية والسياسية فى مصر والاختلاط بالناس العاديين يومياً، وكل هذه المعارف والخبرات وظفها فى صنع أفلامه.

الدرس الخامس: التجريب

كان يوسف شاهين أيضاً مجرباً من الطراز الأول، لا يكف عن البحث عن أشكال وأفكار وأساليب جديدة، أحياناً تنجح، وأحياناً تخيب.

ويكفى أن يذكر المرء أفلاماً مثل «باب الحديد»، «فجر يوم جديد»، «الاختيار»، «العصفور»، «عودة الابن الضال»، «إسكندرية ليه»، «اليوم السادس»، «المهاجر» وغيرها من الأفلام التى لم تكن تشبه أى شىء قبلها، بل وكثير منها لم تزل السينما المصرية عاجزة عن تقديم أعمال مثلها.

هذه الأفلام، وقت عرضها، لم يحبها الجمهور وانتقدتها الصحافة الفنية ومعظم النقاد باستثناء عدد قليل منهم، ولكن بمرور الوقت اكتسبت شعبية كبيرة، ويعدها النقاد الآن من أفضل أعمال «شاهين».

الدرس السادس: الصدق

درس آخر مهم نتعلمه من «شاهين» هو الصدق، والحرص على أن يقول ما يفكر فيه ويعتقده، مهما سبِّب له ذلك من متاعب ومشكلات.

يوسف شاهين هو أيضا أكثر مخرج مصرى تعرض للهجوم والاتهامات ومحاولات المنع وحتى الدعاوى القضائية، ولكنه لم يكن يستمع سوى إلى صوت ضميره وعقله.

بالطبع هذا الكلام نسبى، لأن كل إنسان له حدود لا يستطيع تخطيها، ولكن «شاهين» استطاع أن يتخطى الكثير من الحدود.

يكفى أن نذكر جرأة «العصفور» و«عودة الابن الضال» و«إسكندرية كمان وكمان» و«القاهرة منورة بأهلها».

والأخير فيلم وثائقى قصير صنعه فى بداية التسعينات، تعرض بسببه لأقسى وأقبح الاتهامات، ولكن حين نشاهده اليوم ندرك كم كان صريحاً وكاشفاً وسابقاً لزمنه.

الدرس السابع والثامن: الزهد والبحث عن بديل

عرف عن «شاهين» أيضاً لا مبالاته بالمال أو العيش الرغد، وكان شاغله الوحيد أن يكون مستقلاً وقادراً على الاستمرار فى صنع الأفلام التى يرغب فى صنعها، وحتى يستطيع الاستمرار أسس شركة إنتاج لكيلا يتحكم فيه منتج أو ممول.

وهو من أوائل الذين كسروا نمط الإنتاج السينمائى فى مصر وبحث عن وسائل ومعادلات إنتاج فى الخارج، فعمل مع الجزائر وفرنسا وجهات أخرى، وفتح الباب أمام أجيال كاملة لا تتوقف عاجزة أمام شروط صناعة السينما، ولكن تبحث عن طرق بديلة.

الدرس التاسع: الشغف

كان حب الفن وصناعة الأفلام هو الحب الأكبر وربما الوحيد فى حياة يوسف شاهين، وهذا الشغف لم يفارقه يوماً، بالرغم من مرور أيام صعبة تزعزعت خلالها ثقته بنفسه، وشعر بالغضب من الآخرين ونفسه، ولكن حبه لفنه وأهله وبلده كان الدافع الرئيسى لمعظم أعماله، وهذا الشغف كان من القوة بحيث ينتقل إلى كل من يقترب منه.

الدرس العاشر: الأستاذية

مَن عرفوا يوسف شاهين يجمعون على أنه كان أستاذاً جيداً، لا يبخل على زملائه وتلاميذه بالمعرفة أو الخبرة، ولعل هذه العلاقة الصحية المستمرة بالأجيال الأصغر هى ما جعلته شاب الروح والعقل، مستعدا وراغباً فى التعلم والمعرفة طوال الوقت.

حين نفكر فى إحياء مئوية يوسف شاهين، ينبغى أن نتذكر هذه الدروس جيدا، بالإضافة إلى دروس أخرى كثيرة جسدتها أفلامه وحياته وأفعاله.


مواضيع متعلقة