«الوطن المسلوب» للكاتب محمد شعبان.. رصد عميق لمخططات توطين اليهود في فلسطين

كتب: محرر

«الوطن المسلوب» للكاتب محمد شعبان.. رصد عميق لمخططات توطين اليهود في فلسطين

«الوطن المسلوب» للكاتب محمد شعبان.. رصد عميق لمخططات توطين اليهود في فلسطين

لم تُغتصب أرض فلسطين نتيجة تدخل عسكرى فرض معطيات جديدة فحسب، أو لمجرد تدخل قوى دولية ضد السكان الأصليين لصالح آخرين مُغتصِبين، بل تجاوز الأمر إلى اختلاط «السياسى» بـ«الدينى»، ومن ثم وُجدت ممارسات استعمارية استيطانية تستند إلى معتقدات دينية، بل تتخذها ذريعة لجرائم إبادة بشرية بهدف إحداث تغيرات ديموغرافية لإقامة «وطن مزعوم» على أنقاض «وطن مسلوب».

هذا المسار يرصده الكاتب الصحفى محمد شعبان فى كتابه «الوطن المسلوب.. صفحات من تاريخ توطين اليهود فى فلسطين»، والصادر عن دار «روافد» للنشر والتوزيع، والذى يشارك به فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026. ويقول «شعبان» إن هذا الكتاب يأتى ضمن سلسلة إصداراته التى تركز على جوانب مهمة فى التاريخ العربى والإسلامى، أبرزها «وجوه منسية من التاريخ العربى والإسلامى»، و«خلف أسوار التاريخ.. صفحات مجهولة من تاريخ العرب والمسلمين»، و«التاريخ السرى للفرق والحركات الدينية فى العصور الإسلامية»، و«أروقة دولة بنى العباس.. حكايات الناس والشوارع».

محمد شعبان: أركز في كُتبي الخمسة على الجوانب المنسية في تاريخنا

ويكشف «شعبان» فى كتابه «الوطن المسلوب» أنه على مدار عقود طويلة تمتد إلى القرن الـ18 تنوعت خطوات تنفيذ هذا المشروع الاستيطانى، ما بين اتخاذ مواقف فردية تهدف إلى إقامة مستوطنات تجمع اليهود لتحقيق شرط المجىء الثانى للمسيح وفقاً لمعتقدات دينية، وأخرى رسمية عبر دول هدفت إلى إقامة وطن قومى لليهود فى هذه المنطقة لتحقيق أهداف سياسية خالصة.

وما بين هذه المواقف الفردية والرسمية، تنوعت الممارسات الصهيونية لتحقيق نفس الهدف، عبر تشكيل مؤسسات اقتصادية لتوفير الدعم المالى اللازم لتهجير اليهود من بقاع العالم المختلفة وتوطينهم فى مستعمرات أقيمت خصيصاً لهم على أرض فلسطين.

الوطن المسلوب

ورغم ذلك، فكر زعماء الحركة الصهيونية العالمية فى توطين اليهود بمناطق مختلفة من العالم، بل اتخذوا خطوات فعلية لتحقيق هذا الأمر، واختلفت أهدافهم من وراء ذلك، سواء كان هذا التوطين مجرد مرحلة انتقالية هدفها تجميع اليهود فى منطقة ما تمهيداً لترحيلهم فى مرحلة تالية إلى «الأرض الموعودة» فى فلسطين، أم بمثابة وطن قومى دائم لهم، حسبما يذكر «شعبان» فى كتابه.

على كلٍّ، فشلت كل مخططات التوطين فى مناطق أخرى، وبات تركيز المنظمة على فلسطين باعتبارها «أرض الميعاد» التى وعد بها الرب، وفى سبيل ذلك اُتخذت خطوات فعلية أكثر جدية هدفت فى المقام الأول إلى زيادة أعداد المهاجرين اليهود وتسارع وتيرة إنشاء المستوطنات لاستيعابهم، وتوفير فرص عمل لهم عبر شبكات من المشروعات الزراعية والصناعية.

كومنولث يهودى برعاية فرنسية

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يرصد الكتاب البذور الأولى لفكرة توطين اليهود فى فلسطين وإقامة وطن قومى لهم، من خلال فرنسا التى كانت أولى الدول التى نادت بذلك فى نهاية القرن الثامن عشر، بل اتخذت خطوات عملية فى هذا المضمار لكسب ود اليهود وتحقيق أهداف سياسية، فأعدت خطة سرية عام 1798 لإقامة «كومنولث يهودى فى فلسطين» حال نجاح الحملة الفرنسية فى احتلال مصر والمشرق العربى، بما فيه فلسطين، وذلك مقابل تقديم الممولين اليهود قروضاً مالية للحكومة الفرنسية التى كانت تمر آنذاك بضائقة اقتصادية خانقة، والمساهمة فى تمويل الحملة الفرنسية المتجهة صوب الشرق بقيادة نابليون بونابرت.

عدد من المسيحيين الأمريكيين البروتستانت سعوا أيضاً لتوطين اليهود فى فلسطين، لإيمانهم بأن ذلك يحقق شرط المجىء الثانى للمسيح وبداية ما يعرف بـ«العهد الألفى السعيد»، فغادروا الولايات المتحدة واصطحبوا معهم أُسراً يهودية وأنشأوا مستعمرات زراعية.

ومع مرور الوقت، تحول التوطين إلى فكرة مؤسسية لها أُطر نظرية وتطبيقية عبر «الصهيونية العالمية»، والتى وضع بذرتها الأولى المفكر اليهودى يهودا القلعى، وبلورها فى قالب دينى وسياسى، وتلقفها من بعده مفكرون يهود، أبرزهم تيودور هرتزل.

ألاعيب القناصل الأوروبيين

ويرصد الكتاب الخطوات المختلفة التى اُتخذت فى سياق توطين اليهود، مثل تشكيل ما يعرف بـ«صندوق استكشاف فلسطين»، والذى مثّل أول خطوة جادة ومنظمة لتحقيق هذا الهدف، من خلال إجراء مسح للمناطق التاريخية والأثرية لإسقاط الرؤية التوراتية على أى مُكتشف بهدف إثبات حق اليهود فى التوطين بفلسطين.

ولم يكن لهذا المخطط أن يتحقق دون غطاء رسمى لعبه قناصل عدد من الدول لتسهيل دخول اليهود إلى فلسطين وحمايتهم وتوطينهم على أراضيها، فاستفادوا - أى اليهود الأوروبيون- من حق الحماية والرعاية الدولية، واستطاعوا عبر الجنسيات التى مُنحت لهم عن طريق البعثات القنصلية الأوروبية فى القدس من الاستقرار فى فلسطين، وتنظيم أحوالهم المعيشية، وإقامة المزارع والمستوطنات الزراعية، والتمهيد لإقامة وطن قومى لهم.

وتلقى سطور الكتاب الضوء على موجات هجرات يهود روسيا ورومانيا إلى فلسطين فى العقود الأخيرة من القرن الـ19، حيث أنشأوا عدة مستوطنات منها «ريشون لتسيون» و«روش بينا»، و«زخرون يعقوب» والتى كانت الأساس فيما بعد لإقامة الكيان الصهيونى.

مؤسسات اقتصادية فى خدمة «التوطين»

ولم يكن لهذه الأهداف الاستيطانية أن تتحقق دون دعم اقتصادى، تمثَّل فى شركات ومؤسسات مالية أنشأتها الحركة الصهيونية مثل الجمعية اليهودية للاستعمار اليهودى فى فلسطين «بيكا»، وصندوق الائتمان اليهودى للاستعمار، والصندوق القومى اليهودى، وشركة شراء وتطوير الأراضى، وغيرها من المؤسسات التى لعبت أدواراً متكاملة فى تهجير اليهود من أوروبا وإقامة المستوطنات والمشروعات المختلفة.

تهجير الفلسطينيين إلى العراق

ومع زيادة المستوطنين اليهود فى فلسطين شُغل زعماء الحركة الصهيونية بكيفية ترحيل العرب الفلسطينيين إلى دول أخرى، من أجل إحداث تغييرات ديموغرافية على الأرض وإقامة الدولة اليهودية، وقُدمت مقترحات عديدة فى هذا الشأن، منها تهجير الفلسطينيين إلى العراق فى ثلاثينات القرن الماضى، واُتخذت خطوات فعلية لتنفيذ هذا المخطط، لكن الأحداث السياسية آنذاك حالت دون ذلك.

كما يستعرض الكتاب الجماعات والتنظيمات العسكرية الصهيونية التى تأسست منذ بداية القرن العشرين، وأدت أدواراً عديدة انتهت بإقامة دولة الاحتلال الإسرائيلى عام 1948، منها طرد الفلسطينيين من أراضيهم، وحماية المستوطنات اليهودية، وتهجير اليهود من مختلف دول العالم بطرق غير شرعية.


مواضيع متعلقة