قصة «كرسي»
من أسوأ الخيارات التى لجأ إليها بنو أمية، بعد استقرار الأمر لمعاوية بن أبى سفيان خليفة على المسلمين، الهجوم على «على بن أبى طالب» وذمه على المنابر، ومعاقبة من يعصى أوامرهم على هذا المستوى. كان الكثيرون يسمعون ذم «على» وأهل البيت فتقشعر أبدانهم، ويتعاطفون كل التعاطف معهم، ولأن لكل فعل رد فعل مساوٍ له فى القدر ومضاد له فى الاتجاه، فقد مال الرافضون لهذا النهج الأموى إلى تمجيد «على» فى المقابل، وذكر فضائله الكثيرة، واشتط بعضهم فى ذلك فبالغوا كل المبالغة فى الحديث عن الصحابى الجليل وبشكل بعيد أشد البعد عن الموضوعية، وفى هذا الإطار تستطيع أن تتفهم بعض الأفكار المنحرفة، بل والأساطير، التى طرحها البعض وهم يتحدثون عن الإمام على بن أبى طالب.
تجد مصداق ما أقول فى تلك الأسطورة التى صنعها واحد من أشد المدافعين عن أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو «المختار بن أبى عبيد الله»، الرجل الذى خرج فى عصر الخليفة «عبدالملك بن مروان» يبحث عن قتلة «الحسين بن على» فى «كربلاء» ليثأر منهم، كان «المختار» أول من رفع شعار «يا لثارات الحسين»، وقد استطاع أن يقتص من أغلب من شاركوا فى قتله، ولكى يفعل ذلك فقد لعب لعبته الكبرى على الناس وربطهم بـ«أسطورة علوية» نشرها بينهم، استغل فيها ذلك الولع من جانب الجموع بأية قيمة مادية تتحول إلى رمز يجسد لهم واحدة من الأفكار الكبرى التى يؤمنون بها، لقد فعلتها جموع بنى إسرائيل من أتباع نبى الله موسى، بعد أن عبروا البحر خارجين من مصر، قال تعالى: «وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ». وقد استغل «بنو إسرائيل» ذهاب موسى لميقات ربه وأعطوا آذانهم للسامرى، فجمع ما لديهم من ذهب وحُلى، وصنع لهم عجلاً جسداً له خوار، وقال لهم «هذا إلهكم وإله موسى».
ربط الأفكار الدينية بتمثيلات أو رموز مادية مسألة تميل إليها كل الجموع، وإلا بماذا نفسر صناعة العرب لأوثان اعتبروها رموزاً تقربهم إلى الله؟ قال تعالى: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ». فى هذا السياق نستطيع أن نفهم الفكرة المنحرفة التى اعتمد عليها المختار بن عبيد الله فى تجييش الأتباع وحشد الأنصار، حين أتى بـ«كرسى» من خشب أكسبه قداسة خاصة واقتنعت الجموع المتحلقة حوله -إلا قليلاً- بذلك، ونظروا إلى هذا الكرسى كسِرٍّ خاص جداً وكسبب أساسى لانتصارهم على أعدائهم، بحيث إذا حضر الكرسى حضر النصر، وإذا غاب كانت الهزيمة، وكأن الناس تنتصر بالخرافة مثلما تنتصر بالعلم والإيمان.