من «السيرة الهلالية» إلى «الكشري».. «معلومات الوزراء» يوثق رحلة صون كنوز مصر في اليونسكو

كتب: أسماء زايد

من «السيرة الهلالية» إلى «الكشري».. «معلومات الوزراء» يوثق رحلة صون كنوز مصر في اليونسكو

من «السيرة الهلالية» إلى «الكشري».. «معلومات الوزراء» يوثق رحلة صون كنوز مصر في اليونسكو

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تقريرا جديدا عن «التراث الثقافي غير المادي»، تناول فيه مفهوم التراث الثقافي غير المادي لليونسكو وأهميته، واستعرض مجالات التراث الثقافي غير المادي، ومجموعة التهديدات التي قد تؤثر في استمراريته، وقدرته على الانتقال بين الأجيال، وأبرز الجهود الدولية لحمايته، وسلط الضوء على أبرز العناصر المدرجة على قائمة التراث الثقافي غير المادي لعام 2025، مع إيلاء اهتمام للعناصر المصرية المدرجة.

أوضح المركز أنّ التراث الثقافي غير المادي يظهر بوصفه ذاكرة حيّة للشعوب، ووعاء تختزن فيه تجاربها وقيمها وأساليب تعبيرها عن ذاتها، فمن الأغاني الشعبية والحرف التقليدية، إلى الطقوس والاحتفالات والمعارف المتوارثة، تتجسد هوية الأمم في ممارسات لا تُحفظ في المتاحف، بقدر ما تُصان في الوجدان الجمعي، وتتناقل عبر الأجيال.

قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي

وانطلاقًا من هذا الإدراك، جاءت قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي -التي تضم حاليًّا 849 ممارسة ثقافية في 157 دولة حول العالم- لتكون أداة عالمية لحماية هذه الكنوز الحيّة من الاندثار، وتعزيز احترام التنوع الثقافي، وتأكيد أنّ صون الهوية لا ينفصل عن دعم المجتمعات الحاضنة لها، وبالتالي فإنّ القائمة تسعى إلى ما هو أبعد من التوثيق، إذ تضع الإنسان وموروثه في قلب معادلة التنمية المستدامة، باعتبار الثقافة ركيزة أساسية للحوار والتفاهم بين الشعوب.

وأشار التقرير إلى أنّ التراث الثقافي غير المادي يشمل الممارسات والمعارف وأشكال التعبير التي تقرّ المجتمعات المحلية بمكانتها المحورية في بنية هويتها الثقافية جنبًا إلى جنب مع كل ما يرتبط بها من عناصر وأماكن، وتقترح اتفاقية اليونسكو لعام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي 5 مجالات رئيسة تتمثل في «التقاليد والتعبيرات الشفوية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات، والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، والحرف التقليدية».

الجهود الدولية لحماية التراث الثقافي غير المادي

واستعرض مركز المعلومات من خلال التقرير الجهود الدولية لحماية التراث الثقافي غير المادي، وتتضمنما يلي.

1- اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003: حيث تستهدف الاتفاقية صون الممارسات والتمثيلات، والتعبيرات، والمعارف والمهارات، التي تعترف بها المجتمعات والجماعات، كجزء من تراثها الثقافي.

2- آليات اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي: حيث تستخدم 3 آليات رئيسة «التوجيهات التشغيلية لتنفيذ اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادين وتصفح قوائم التراث الثقافي غير المادي وتسجيل أفضل ممارسات الحماية، ومنشورات قائمة الحماية العاجلة، والقائمة التمثيلية، وسجل أفضل ممارسات الحماية».

3- البرنامج العالمي لبناء القدرات: يتبنى البرنامج نهجاً شاملاً لضمان مشاركة أوسع لجميع الجهات المعنية، فمن ناحية يعمل على تطوير أساليب حصر وصون التراث الثقافي غير المادي على مستوى المجتمعات المحلية، ومن ناحية أخرى، يدعم قدرة الدول على التنفيذ الفعال للاتفاقية.

4- صندوق تمويل التراث الثقافي غير المادي: حيث أنشئ الصندوق بموجب اتفاقية صون التراث غير المادي لعام 2003، ويُقدِّم الدعم للدول الأطراف في جهودها الرامية إلى صون التراث الثقافي غير المادي.

5- دور المنظمات غير الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي: ويأتي في مقدمتها دور منتدى المنظمات غير الحكومية المعنية بالتراث الثقافي غير المادي «The ICH NGO Forum» والذي تأسس عام 2010 وهو المنصة الدولية التي تضم المنظمات غير الحكومية المعتمدة في هذا المجال وتتمثل مهمته في التواصل والتشبيك وتبادل الخبرات والتعاون بين المنظمات غير الحكومية العاملة في اتفاقية 2003 وصون التراث الثقافي غير الماي على ارض الواقع..

6- المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية «ICCROM»

7- المجلس الدولي للمعالم والمواقع.

وتناول التقرير أبرز العناصر المدرجة على قائمة التراث الثقافي غير المادي لعام 2025، ومن ذلك أكثر 5 عناصر تحتاج إلى حماية عاجلة وتضمنت: أوزبكستان «فن صناعة وعزف الكوبيز»، وألبانيا «فن العزف والغناء وصنع آلة اللاهوتا»، وباكستان «بوريندو: آلة موسيقية شعبية قديمة في طريقها إلى الاندثار»، وبنما «عمليات بناء منزل الكينشا والجونتا دي إمبار / إمبارا»، وفيتنام «صناعة المطبوعات الخشبية الشعبية دونغ هو».

إضافة لأبرز 5 عناصر على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية وهي: الإمارات العربية المتحدة «فن الأهلة، من أداء حي»، الإمارات العربية المتحدة «السدو، مهارات النسيج التقليدية»، السودان «الجرتق: ممارسات وطقوس وتعبيرات للحفظ والحماية والوفرة والخصوبة»، الأردن «شجرة المهراس: المعرفة والمهارات والطقوس المرتبطة بها»، العراق «لعبة المحبيس: الممارسات الاجتماعية والتقاليد المرتبطة بها»

عناصر مصرية في قوائم اليونسكو

وتناول التقرير عددًا من العناصر المصرية التي أدرجتها منظمة اليونسكو على قوائم التراث الثقافي غير المادي، سواء ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي أو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، وتظهر العناصر المصرية المدرجة تنوعاً واضحاً في أشكال التراث غير المادي، حيث تشمل ممارسات غذائية وفنوناً شعبية، وحرفاً يدوية تقليدية، وطقوساً اجتماعية ودينية وأشكالاً من التعبير الأدبي والفني وهي على النحو التالي:

- «السيرة الهلالية» والتي تم ضمها عام 2008 باعتبارها أحد أهم أشكال التراث الشفهي في مصر لما تحمله من روايات شعرية ملحمية متوارثة.

- «التحطيب» الذي أدرج عام 2016 كأحد أشكال التعبير الحركي المرتبط بالتقاليد الشعبية في مصر.

- «فن الأراجوز» - العرائس اليدوية التقليدية-: وأدرج عام 2018 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل في إشارة إلى أهمية الحفاظ عليه من الاندثار.

- «النسيج اليدوي» وأدرج في عام 2020 نظراً لما يمثله من مهارات حرفية تقليدية ويرتبط بالمجتمعات المحلية في جنوب مصر.

- «الخط العربي»: وأدرج عنصر المعارف والمهارات والممارسات المرتبطة بالخط العربي ضمن القائمة التمثيلية عام 2021، باعتباره أحد أبرز أشكال التعبير الثقافي المرتبط باللغة والكتابة والفنون المصرية.

- وشهد عام 2022 إدراج عنصرين هما المهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر والتي تعكس ممارسات احتفالية ذات طابع ديني وثقافي، والممارسات المرتبطة بنخيل التمر الذي يرتبط بالممارسات الزراعية والمعيشية.

- أدرج «فن النقش على المعادن» عام 2023، كما أدرجت الحنة والسمسمية عام 2024 وكلاهما يعكس ممارسات اجتماعية وفنية متجذرة في الثقافة المصرية

الكشري ينضم إلى قوائم يونسكو في 2025

وجرى إدراج الكشري في عام 2025 ليعكس جانبا من التراث الغذائي المرتبط بالحياة اليومية في المجتمع المصري. لتظهر بذلك العناصر المصرية المدرجة على قوائم التراث الثقافي غير المادي لليونيسكو تنوعاً ثقافيا، وتعكس امتداد التراث غير المادي المصري من الممارسات الشفهية والفنية والحرفية إلى العادات الاجتماعية والغذائية.

الكشري

تهديدات تواجه التراث الثقافي غير المادي

وأوضح التقرير أنّ التراث الثقافي غير المادي يواجه مجموعة من التهديدات التي قد تؤثر في استمراريته، وقدرته على الانتقال بين الأجيال، ما يعرضه الخطر الاندثار، وتتمثل أبرز تلك التهديدات فيما يلي:

1- تراجع التقاليد الشفهية: والتي تواجه العديد من التحديات بسبب التوسع الحضري والهجرة واسعة النطاق، فضلاً عن إلحاق الكتب والصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون وشبكة الإنترنت ضرراً بالغاً بالتعبيرات الشفهية.

2- العولمة وتأثيرها السلبي على أساليب الحياة التقليدية وأنماطها بما يؤدى لطمس بعض القيم الثقافية المحلية فضلاً عن فرض ثقافات غربية.

3- التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في زيادة معدلات الهجرة الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى الاعتماد على العرفة التقليدية.

4- عدم الاهتمام بالكنوز الحية: ويقصد بذلك عدم توجيه الرعاية اللازمة للأشخاص الذين يملكون المعرفة أو المهارة اللازمة لممارسة حرف توارثوها عن أجدادهم ما من شأنه تراجع عدد ممارسي هذه الحرف التراثية المدرجة على قائمة التراث العالمي غير المادي، ما جعل العديد من دول العالم تضع قوانين تهدف إلى العناية والاهتمام بالكنوز الحية بالنظر إلى ما تحمله من ثقافة متجذرة ومتوارثة.

5- التغير المناخي: والذي يعد أحد الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى تهديد التراث الثقافي غير المادي نظراً لتزايد المناطق المهددة بسبب تغير المناخ.

6- المخاطر الأمنية: ومن ذلك استمرار العنف وعدم الاستقرار في العديد من المناطق وما يستتبعه من حركات نزوح تؤدي إلى فقدان الممارسات والمعرفة التقليدية وصعوبة الحفاظ على التراث وتناقله من جيل إلى أخر.

7- نقص الموارد: وتشمل الموارد المالية والتقنية والبشرية الناتجة عن الصراعات وعدم الاستقرار.

8- التهديدات الإدارية والقانونية: وتتضمن غياب استراتيجيات وطنية لحماية التراث الثقافي غير المادي فضلاً عن غياب التشريعات القانونية التي تنظم العمل في مجال التراث غير المادي وتحافظ عليه.

وأشار التقرير في ختامه إلى أنّ التراث الثقافي غير المادي لا يُمثل مجرد بقايا من الماضي، بل مورد حي ومتجدد يشكل أحد أعمدة الهوية الثقافية للمجتمعات، ومن ثم فصونه وحمايته لا يتحقق فقط عبر إدراجه في قوائم التراث الثقافي غير المادي وإنما يتطلب بالأساس دعم المجتمعات الحاضنة له. ودمج ممارساته في السياسات الثقافية والتعليمية والتنموية على المستويات كافة.

وفي السياق المصري، تؤكد العناصر المدرجة على قوائم التراث الثقافي غير المادي لليونسكو عمق وتنوع الموروث الثقافي المصري وما يحمله من فرص لتعزيز الهوية الوطنية ودعم الاقتصاد الثقافي، على أن يتم الانتقال من منطق التوثيق إلى منطق الصون الفعّال والاستدامة.

ومن ثم فإن حماية الكنوز الحيّة تظل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وبين الأجيال الحالية والقادمة، لضمان استمرار الذاكرة الثقافية بوصفها أحد أهم مقومات قوة الشعوب، وقدرته على التفاعل الخلّاق مع عالم سريع التحول.


مواضيع متعلقة