محمود الجارحي يكتب: الطريق إلى الدرس قادهم للموت.. مأساة الأطفال الثلاثة في قرية الراهب بالمنوفية
محمود الجارحي يكتب: الطريق إلى الدرس قادهم للموت.. مأساة الأطفال الثلاثة في قرية الراهب بالمنوفية
تبدو صور الأطفال الثلاثة وكأنها التُقطت في عالمٍ أكثر رحمة.. وجوه صغيرة تبتسم ببراءة.. عيون واسعة لا تعرف الخوف.. وملابس طفولية بسيطة تعكس حياة يومية هادئة.
في كل صورة ضحكة صافية.. وحركة عفوية لطفولة لم تتلوث بعد بقسوة الواقع.. لتتحول هذه اللقطات لاحقًا إلى شهادة موجعة على فاجعة إنسانية هزت قرية «الراهب» التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية.


في صباح هادئ.. خرج الأطفال متجهين إلى "الدرس".. بخطوات واثقة وقلوب مطمئنة.. لكن تأخرهم عن موعد العودة أشعل القلق في قلوب ذويهم.. دقائق تحولت إلى ساعات ثقيلة.. جاب خلالها الأهالي شوارع القرية.. يسألون الجيران ويفتشون في الطرقات.. قبل أن تبدأ خيوط الحقيقة في الظهور مع مراجعة كاميرات المراقبة.
العدسات رصدت تحركات الصغار الأخيرة وهم يسيرون في اتجاه قطعة أرض فضاء ثم إلى منزل قديم مهجور مبني بالطوب النيئ داخل نطاق القرية، ليكون ذلك آخر ظهور لهم أحياء.
داخل المنزل المهجور.. كانت الصدمة.. مناظرة الجثامين كشفت عن مشهد بالغ القسوة.. حيث عُثر على طفلين مشنوقين في سقف المكان باستخدام قطعة قماش.. بينما وُجدت الطفلة الثالثة جثة هامدة على أرضية المنزل.. مع وجود آثار خنق واضحة على الأجساد الغضة.
المعاينة الأولية.. أكدت أن الواقعة لم تكن حادثًا عارضًا.. بل جريمة قتل مكتملة الأركان.. ما أصاب الأهالي بحالة من الذهول والحزن والغضب.
وبين صور البراءة التي سبقت الفاجعة.. ظهرت صورة الشاب المتهم في القضية.. شاب في مقتبل العمر.. بملابس عادية وملامح هادئة لا توحي في ظاهرها بشيء غير مألوف.. لقطة اعتيادية صنعت مفارقة صادمة بين مظهر بسيط واتهامات ثقيلة.. وأعادت إلى أذهان أهالي القرية سؤالًا مريرًا عن كيف يمكن أن يتحول وجه مألوف إلى طرف في مأساة بهذا الحجم.
فور تلقي البلاغ.. انتقلت الأجهزة الأمنية إلى موقع الحادث، وجرى فرض كردون أمني مشدد حول المنزل المهجور.. ومنع اقتراب الأهالي حفاظًا على سلامة الإجراءات.. وانتقل فريق من النيابة العامة لمعاينة مسرح الجريمة، ومناظرة الجثامين.. وجرى نقل الأطفال الثلاثة إلى مشرحة المستشفى التعليمي بشبين الكوم تحت تصرف النيابة، لبيان أسباب الوفاة وساعة حدوثها بدقة.
في الوقت ذاته.. بدأت مباحث مركز شبين الكوم تحركات موسعة لكشف ملابسات الواقعة.. جرى تفريغ عشرات الكاميرات داخل القرية ومحيطها، وتتبع خط سير الأطفال منذ خروجهم من منازلهم وحتى لحظة اختفائهم، إلى جانب فحص دائرة العلاقات القريبة والبعيدة، والاستماع إلى أقوال شهود العيان من الجيران وأصحاب المحال القريبة.
التحريات كشفت عن تحركات لأحد الأشخاص في توقيت متزامن مع اختفاء الأطفال، لتتجه الشبهات نحوه.. ومع تضييق دائرة الاشتباه وربط التحركات بلقطات الكاميرات.. نجحت الأجهزة الأمنية في تحديد هوية المتهم، وضبطه بعد إعداد كمين.. وبمواجهته بالأدلة المرئية والتحريات، خضع المتهم لاستجواب المشتبه فيه.. حيث كشفت التحقيقات الأولية عن تورطه في استدراج الأطفال إلى المنزل المهجور، وإنهاء حياتهم باستخدام قطعة قماش، قبل أن يترك الجثامين ويدّعي المشاركة في البحث عنهم.
عُرض المتهم على النيابة العامة، التي باشرت التحقيق معه، وواجهته بما جاء فى التحريات.. ىالمعاينة، وأقوال الشهود، وقررت حبسه احتياطيًا على ذمة القضية، مع طلب تحريات تكميلية، وانتظار تقارير الطب الشرعي النهائية لتحديد السبب الدقيق للوفاة وساعة ارتكاب الجريمة.
وفي قرية «الراهب».. لا يزال الحزن مخيمًا على البيوت والشوارع.. ضحكات الأطفال التي كانت تملأ الأزقة اختفت.. وحلّ الصمت مكانها.. بينما يقف الأهالي في انتظار العدالة.. آملين أن يكون القصاص شفاءً لقلوب موجوعة.. ثلاث أرواح صغيرة خرجت بثقة الطفولة ولم تعد.. وبقيت الصور شاهدة على براءة غُدِر بها.. وجريمة ستظل محفورة في ذاكرة القرية طويلًا.