ترامب يتحدى الأمم المتحدة.. هل يصبح مجلس السلام بوابة للهيمنة الأمريكية على العالم؟

كتب: محمد عبد العزيز

ترامب يتحدى الأمم المتحدة.. هل يصبح مجلس السلام بوابة للهيمنة الأمريكية على العالم؟

ترامب يتحدى الأمم المتحدة.. هل يصبح مجلس السلام بوابة للهيمنة الأمريكية على العالم؟

لم تعد فكرة مجلس السلام التي طرحت في سياق الحرب على غزة مجرد آلية مؤقتة لإدارة وقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار في القطاع، بل تكشف الوثائق التأسيسية للمجلس عن طموح يتجاوز الجغرافيا والملف الفلسطيني.

وبحسب ميثاق تم تعميمه على دول مرشحة للانضمام، واطلعت عليه «الوطن»، جرى توسيع التصور الأصلي للمجلس ليصبح كيانًا دوليًا دائمًا، يتولى أدوارًا في حل النزاعات وبناء السلام على مستوى عالمي، وهي مهام ظلت لعقود حكرًا على منظومة الأمم المتحدة.

الميثاق، الذي لا يذكر غزة ولا يشير إلى الأمم المتحدة صراحة، يقدم مجلس السلام باعتباره هيئة دولية مرنة وفعالة لإدارة الأزمات الدولية، يرأسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتضم حكومات كأعضاء مقابل رسوم تصل إلى مليار دولار للحصول على مقعد دائم.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن عن تشكيل المجلس في سبتمبر الماضي كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ولا يذكر الميثاق غزة أو الأمم المتحدة، بل يصفه بأنه هيئة دولية مرنة وفعالة لبناء السلام يرأسها ترامب وتضم حكومات أخرى كدول أعضاء.

نفوذ لـ«ترامب»

وبحسب محللون ومسؤولون دوليون سابقون، تحدثوا لـ«الوطن»، فإنشاء مجلس سلام مستقل عن الأمم المتحدة للتدخل في النزاعات الدولية ليس فكرة مستحيلة من حيث المبدأ، إذ سبق أن أُنشئت آليات تنفيذ ومراقبة موازية لمجلس الأمن في عدد من عمليات السلام.

غير أن الإشكالية الجوهرية، بحسب تقديرهم، تكمن في طبيعة «مجلس السلام» المقترح حاليًا، الذي يمنح الولايات المتحدة، ورئيسها دونالد ترامب شخصيًا، نفوذًا غير مسبوق في إدارة الصراعات الدولية.

هذا التحول في الصياغة والنطاق يعكس انتقال المجلس من مبادرة مرتبطة بوقف إطلاق نار محدد، إلى مشروع يعيد تعريف قواعد إدارة النزاعات الدولية، ويفتح الباب أمام نظام موازٍ للأمم المتحدة، يقوم على العضوية المدفوعة والنفوذ السياسي المباشر، لا على التمثيل الدولي التقليدي أو قرارات الشرعية الأممية.

وجاء في نسخة من الميثاق، إن مجلس السلام منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراع.

مليار دولار.. قيمة العضوية

يتعيّن على كل دولة مرشحة للحصول على مقعد دائم في «مجلس السلام» أن تدفع نحو مليار دولار نقدًا، وفق ميثاق قالت وكالة «رويترز»، إنها حصلت عليه.

ولم يرد البيت الأبيض على طلبات الاستفسار من «الوطن»، بشأن تحويل مجلس السلام إلى كيان دولي موازٍ للأمم المتحدة، كما لم يرد مكتب الأمين العام للأمم المتحدة على الاستفسار نفسه.

طريقة التصميم وطبيعة الاستقلال

يقول البروفيسور ريتشارد فولك، المقرر الخاص الأسبق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن إنشاء مجلس سلام دولي مستقل للتدخل في النزاعات ليس فكرة فاقدة للشرعية من حيث المبدأ، لكنه يشدد على أن صلاحية هذا النموذج تتوقف بالكامل على طريقة تصميمه وطبيعة استقلاله.

ويؤكد، خلال حديثه لـ«الوطن»، أن أي آلية من هذا النوع لا يمكن أن تنجح أو تكتسب مشروعية أخلاقية إذا خضعت للتلاعب الجيوسياسي أو صُممت لخدمة مصالح قوى بعينها، كما هو الحال في «خطة ترامب»، التي يصفها بأنها منحازة بنيويًا للطرف الأقوى والأكثر ثراءً، ومجحفة بحق الطرف الأضعف والمتضرر والضحية.

ويضيف «فولك» أن مجلس سلام دولي لا يستحق الاعتراف أو الشرعية إلا إذا التزم التزامًا صارمًا بمبدأ المساواة بين أطراف النزاع، وكان نتاج مشاركة حقيقية من الأطراف المعنية، سواء بشكل منفصل أو مشترك.

كما يرى أن أي مجلس من هذا النوع يجب أن يضع في اعتباره منذ البداية ما إذا كانت المساءلة عن الانتهاكات جزءًا من ولايته، سواء على مستوى القانون الدولي أو المعايير الأخلاقية أو حقوق الإنسان، محذرًا من أن تجاهل هذه الزاوية يحوّل أي مبادرة سلام إلى غطاء سياسي للإفلات من العقاب.

وفي ما يتعلق بإمكانية أن تشكل مثل هذه المبادرات رافعة لإصلاح الأمم المتحدة، يقول «فولك» إن الأمر ممكن نظريًا، لكنه يصبح مستحيلًا عمليًا إذا اتخذ النموذج المقترح شكلًا شبيهًا بخطة ترامب.

فهذه الخطة، بحسب وصفه، تقوم على عملية حزبية تكافئ الدولة الأقوى أو مرتكبي الجرائم، بينما تعيد إيذاء الضحايا وتُكرّس معاناتهم.

ويشير إلى أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحكم إدماجها داخل إطار الأمم المتحدة، تجعل نجاحها أو فشلها انعكاسًا مباشرًا على المنظمة الدولية نفسها.

أما فكرة مجلس سلام مستقل يعمل خارج منظومة الأمم المتحدة، فيرى أنها لا يمكن أن تُقام إلا عبر مسار تعاقدي دولي، من خلال معاهدة تتيح للدول حرية الانضمام والدعم المالي، على غرار المحكمة الجنائية الدولية، لكنه يلفت إلى أن تجربة المحكمة نفسها تكشف حدود هذا النموذج، إذ إن غياب دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وإسرائيل والهند قيّد سلطتها وفاعليتها.

مخاطر مجلس السلام

وعن المخاطر المحتملة إذا تولى مجلس سلام مستقل دورًا يتجاوز دور الأمم المتحدة في إدارة الأزمات العالمية، يقول «فولك» إنه لا يثق بإمكانية نجاح مثل هذا الكيان ما لم يكن محررًا تمامًا من الهيمنة الجيوسياسية، وخاصة النفوذ الأمريكي، مؤكدًا أن أي مجلس من هذا النوع يحتاج إلى تمويل مستقل، وآلية اختيار أعضائه يجب أن تراعي توازنات دقيقة تشمل الجغرافيا، والحضارات، والاتجاهات الأيديولوجية، والتمثيل الجندري، وربما حتى التوازنات الجيلية.

تحدٍ للأمم المتحدة

ويضيف المقرر الخاص الأسبق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أنه في حال تمكن مجلس سلام مستقل من حشد دعم دولي كافٍ، فقد يتحول إلى تحدٍ بنّاء، وربما تحويلي، للأمم المتحدة، التي يصف «فولك» أداءها في مجالات حل النزاعات، وتطبيق القانون الدولي، ومحاسبة المنتهكين، بأنه مخيب للآمال.

ويهاجم «فولك» الأمم المتحدة، قائلًا إنها صُممت منذ نشأتها لخدمة منتصري الحرب العالمية الثانية، وهو ما يتجسد في حق النقض والعضوية الدائمة في مجلس الأمن، وهو إرث لا يزال يحكم سلوكها حتى اليوم.

يعرب عن شكوكه في أن القوى الكبرى الحالية، من الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، مستعدة لدعم ابتكار مؤسسي من هذا النوع في ظل التنافس الحاد وعدم المساواة البنيوية التي تحكم النظام الدولي الراهن.

حالة استثنائية

يرى ريتشارد جوان، مدير شؤون الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية «ICG»، أن وجود آليات تنفيذ مستقلة تشرف على عمليات السلام أو مهام حفظ السلام بالتوازي مع مجلس الأمن ليس أمرًا جديدًا في النظام الدولي، غير أنه يشير إلى أن ما يجعل مجلس السلام المقترح حالة استثنائية هو أن يتولى رئيس الولايات المتحدة نفسه قيادة هذه الآلية، مضيفًا: «سيلقي ذلك بظلاله على مجلس الأمن».

ويضيف «جوان»، خلال حديثه مع «الوطن»، أن طبيعة عمل مجلس السلام لا تزال غامضة إلى حد كبير، في ظل غياب تفاصيل واضحة حول آليات اتخاذ القرار أو حدود الصلاحيات.

مؤسسة حكم عالمي خاصة بـ«ترامب»

هذا الغموض، بحسب تقديره، يعزز الانطباع بأن الرئيس دونالد ترامب يسعى إلى تحويل المجلس إلى ما يشبه مؤسسة حكم عالمي خاصة به، ذات نطاق عمل يتجاوز غزة بكثير، ويتوقع «جوان» أن يثير هذا التوسع اعتراضات واسعة من حكومات عديدة ستعتبره تجاوزًا للصلاحيات ومحاولة لفرض واقع سياسي جديد.

ويشير إلى مفارقة أساسية في هذا السياق، تتمثل في أن عددًا كبيرًا من الدول يطالب منذ سنوات بإصلاح الأمم المتحدة بطريقة تمنح دول الجنوب العالمي ودولًا غير غربية وزنًا أكبر في صنع القرار الدولي، بينما يأتي «مجلس السلام» المقترح ليعيد تركيز السلطة في البيت الأبيض، بدلًا من توزيعها بشكل أوسع أو أكثر تمثيلًا.

نفوذ استثنائي في إدارة الملفات الدبلوماسية والنزاعات الدولية

وبحسب «جوان»، فإن الهيكل المقترح للمجلس يمنح الولايات المتحدة، ويمنح ترامب شخصيًا، نفوذًا استثنائيًا في إدارة الملفات الدبلوماسية والنزاعات الدولية، وهو ما يشكل تحديًا مباشرًا ليس فقط للدول الصغيرة التي تخشى التهميش، بل أيضًا لدول كبرى ترغب في أن يكون لها دور حقيقي ومتوازن في إدارة النظام الدولي.

ويؤكد أن سعي الولايات المتحدة وراء هذا المقترح دليل قاطع على تراجع مصداقية الأمم المتحدة، سواءً داخل الولايات المتحدة أو على الصعيد العالمي: «لو كانت الأمم المتحدة تحظى بمزيد من الاحترام، لما طُرح هذا النوع من الأفكار».