د. عبدالفتاح نور أحمد يكتب لـ«الوطن»: الصومال والمؤامرة على القرن الأفريقي

كتب: محرر

د. عبدالفتاح نور أحمد يكتب لـ«الوطن»: الصومال والمؤامرة على القرن الأفريقي

د. عبدالفتاح نور أحمد يكتب لـ«الوطن»: الصومال والمؤامرة على القرن الأفريقي

منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، أى بعد انهيار الحكومة الصومالية المركزية سنة 1991، ظهرت إلى الوجود مشكلة أرض الصومال من جديد لكن هذه المرة بأبعاد ودلالات خطيرة تهدّد المنطقة برمتها، وتنسف كل مساعى السلام الهادفة لتقريب وجهات النظر الصومالية.

فجأة -وبدون أى مقدمات- أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو اعترافه بأرض الصومال فى 26 ديسمبر 2025 فى مؤتمر عبر الهاتف، ضمّ من الجانب الآخر رئيس ما يسمى بأرض الصومال عبدالرحمن عِرّو، واتفقا على بنود بعضها ما زال فى طى الكتمان وأخرى معلنة، وكلها بنود تقوّض استقرار المنطقة، وتضرب بعرض الحائط كل الجهود المبذولة فى تماسك ووحدة الصومال وسيادة ترابه الوطنى.

هذا الاعتراف الأحادى الجانب من قبل الكيان الصهيونى له مرامٍ استراتيجية بعيدة، فهو فى ظاهره اعتراف بكيان يطالب بالانفصال عن جسمه الأم (الصومال)، لكنه على المدى البعيد استراتيجية لها أبعاد أمنية وعسكرية على المنطقة ستجلب الويل لأرض الصومال، وتقزّم أدوار دول محورية فى محيط الصومال العربى والإسلامى.

دعونا نرجع إلى التاريخ قليلاً، فأرض الصومال كانت الشطر الشمالى للجمهورية الصومالية، نالت استقلالها من المستعمر البريطانى فى 26 يونيو سنة 1960، وكانت إسرائيل أول دولة بادرت بالاعتراف بها، وبعد أربعة أيام نال الشطر الجنوبى استقلاله من المستعمر الإيطالى؛ فشكّلا فى غرة يوليو جمهورية الصومال دون شرط أو قيد، قَبِل الشمال الصومالى الوحدة بمحض إرادته، ولم يكن هناك دستور ولا عَلَم، ولا أى معلم من معالم الدولة الحديثة.

تكمن مشكلة أرض الصومال فى أن نخبها السياسية لا تعترف بالواقع القانونى، وأن الدولة القومية الحديثة التى تقوم على الحدود الجغرافية المعترف بها بعد معاهدة ويستفاليا 1648 ومواثيق الأمم المتحدة لا تقر بالانفصال عن الدول ما لم تتفق الأطراف على تقرير المصير.

أما بعد انهيار الحكومة المركزية وتفكّك عرى الدولة الصومالية برز تقسيم جديد يجعل منطقة شمال الصومال -المعلنة انفصالها من جانب واحد- كياناً قائماً بذاته، وهى ثلاث محافظات من بين 18 محافظة تتكون منها جمهورية الصومال، وهى: (توغ طير وأودل والشمال الغربى) وتُعتبر محافظتا سول وسناج متنازعتين، فمن ناحية التقسيم الجغرافى القديم تقعان ضمن شمال الصومال، أما بعد توحد الجمهورية الصومالية فأصبحتا جنوبيتين بحكم الانتماء القبلى (ورسنجلى، وطلبهنتى من قبيلة هرتى الدارودية).

فور توحد الشمال الصومالى مع الجنوب بدأ ضباط شماليون القيام بانقلاب عسكرى سنة 1961، لكن محاولتهم الانقلابية باءت بالفشل، وتم زجّهم فى السجون، وقد تصاعد فيما بعد الخطاب العدائى لدى النخبة السياسية والعسكرية الطامحة إلى فك ارتباطها عن الصومال.

مع بداية الثمانينات تأسست جبهة مسلحة بقيادة الجنرال أحمد محمود سيلانيو (تولى منصب رئيس أرض الصومال فيما بعد) واتخذوا من أديس أبابا مقراً لهم، وخاضوا معارك ضارية مع الحكومة الصومالية فى جبهات قتال متفرقة، تدعمهم إثيوبيا من أجل إسقاط سياد برى.

واجهت الحكومة الصومالية -بقيادة الجنرال محمد سياد برى الذى تولى حكم الصومال بانقلاب عسكرى- تمرد أرض الصومال بالحديد والنار، وقصفت مدينة هرجيسا (حاضرة هذا الإقليم) سنة 1988 بالطيران العسكرى من أجل إخماد التمرد ودحر الجبهة العسكرية المدعومة إثيوبيّاً.

لم يهدأ التمرد بل وجد مسوغاً لإثارة عواطف السكان، ورسّخ من ادعاءاته بضرورة الانفصال عن الصومال، والارتماء فى أحضان العدو التاريخى للصومال وهو إثيوبيا، وإزاء تلك الأجواء المشحونة انهارت الحكومة المركزية.

هنا، أصبحت الأجواء مواتية للانفصال، فأعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال الأم، وبدأت النخبة السياسية بقيادة محمد إبراهيم عقال، ثانى رئيس لهذا الإقليم الانفصالى مدّ خيوط تعاونه مع الكيان الإسرائيلى، والترويج لسرديات ومقاربات لا تمت للواقع بصلة.

لم تمضِ خطط أرض الصومال إلى الأمام، وعاشوا فى عزلة سياسية أكثر من ثلاثة عقود، لم تحظ بأى اعتراف، لافتقار اعترافهم بأى سند قانونى يجعل من اعترافهم ممكناً.

ومع انسداد الآفاق لديهم، ودخولهم فى حالة غياب السند السياسى والدبلوماسى لهم، لم تصم الحكومة الاتحادية آذانها فى قبول الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

المحادثات بدأت عام 2012 فى العاصمة البريطانية لندن فترة حكم الرئيس الشريف شيخ أحمد، وعند وصول الرئيس حسن الشيخ محمود إلى سدة الحكم فى جمهورية الصومال خلال فترته الأولى بدأت المفاوضات بوتيرة أسرع من الأولى، انعقدت فى الخارج عدة جولات كثيرة ومتتالية جرت فعالياتها فى إسطنبول التركية.. لكنها لم تسفر عن نتائج ملموسة، لم تحقق الحكومة الصومالية وقتذاك إنجازات ملموسة فيما يتعلق بالمفاوضات. لم ترض النخب السياسية فى أرض الصومال بسير المفاوضات.. لكنها كانت تروج لسرديات مخالفة، فيها الكثير من التجاوزات القانونية، وتستند بالأساس إلى مظالم قامت بها أنظمة الحكم المتعاقبة على حكم الصومال.

الاعتراف الإسرائيلى بأرض الصومال -لا شك- يخدم المصالح الاستراتيجية للكيان الصهيونى، ويندرج تحت ما يُسمى «التطبيع الوظيفى»، وغايته تضييق الخناق على دول عربية وإسلامية محورية فى المنطقة، بالإضافة إلى التحكم فى الممرات والمضايق البحرية بهدف الإغارة على الحوثيين.

واعتراف كيانٍ محتل بجزءٍ منفصل من دولة عربية وأفريقية ذات سيادة، هو اعتداء صارخ على وحدة الصومال، ويهدف إلى تحويل هذا الإقليم إلى منطقة وظيفية عسكرية تخدم المصالح الإسرائيلية، نظراً لموقعه الاستراتيجى المطل على البحر الأحمر، وخليج عدن، وباب المندب، والطريق المؤدى إلى قناة السويس.

وحتى اللحظة يواجه نظام أرض الصومال معارضة قوية من كل القوى السياسية فى الصومال، فمن الناحية الداخلية هناك جهود قام بها علماء الدين فى أرض الصومال فى رفض الاعتراف ومواجهته المباشرة، لما له من آثار وتداعيات خطيرة على مستقبل الأمة، ما قد يعرض حياتهم للخطر.

فالمشروع الصهيونى فى القرن الأفريقى -بنظرى- تم إجهاضه قبل ميلاده المشؤوم، الاعتراف سيصطدم بصخرة الواقع الصومالى العنيد، والعربى الرافض للتجزئة، وقد بدأت ملامح تلاشِى المشروع الإسرائيلى تلوح فى الأفق.