يوسف شاهين بين تحليق العصفور والتشبث بالأرض

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

عندما أكتب عما أحبه أُصبح أكثر استمتاعاً، ومن ضمن أفلام يوسف شاهين، يظل فيلما الأرض (1970) والعصفور (1972) من أفضل وأحب الأفلام إلى قلبي، وما زالت نهاية كل فيلم منهما هي أيقونة كل فيلم، وغالباً هما ما رسخ في الذاكرة من الشريط السينمائي الطويل، اليد التي تتشبث بالأرض وبعيدان القطن، بينما تنزف الدماء من الأصابع الخشنة، كانت اليد لمحمود المليجي العملاق الذي كان شاهين أفضل من يدير موهبته، وكان بالنسبة له تميمة الحظ، وختم الجودة، أما نهاية «العصفور» مظاهرة التنحي وصرخات حنحارب، في مقدمة الكادر كانت العظيمة محسنة توفيق، التي ظلت في ذاكرة جيلنا بهذا المشهد الخالد.

ومن «الأرض» إلى «العصفور»: تحوّلت رؤية يوسف شاهين من تمجيد البطولة إلى مساءلة الوعي، هما محطتان متجاورتان زمنياً ومتباعدتان فكرياً في مشروع يوسف شاهين، الأول عمل يحتفي بالمقاومة الشعبية بوصفها الخلاص، وآخر يفضح أسباب الانكسار عبر تفكيك الوعى الجمعي، تتبدّل زاوية النظر من البطولة إلى المحاسبة، يقدّم فيلم «الأرض» صورة للفلاح المصري وهو يتشبّث بأرضه في مواجهة الإقطاع والظلم. الصراع واضح، والعدو محدَّد، والاصطفاف الأخلاقي لا لبس فيه.

الأرض هنا ليست ملكية فحسب، بل هوية وكرامة ومعنى للحياة والموت، ينتهي الفيلم بصورة أيقونية للجسد المشدود إلى التراب، مؤكِّداً أن الهزيمة الجسدية لا تُلغى الانتصار الأخلاقى، في «الأرض»، الشعب فاعل، يعرف خصمه، ويتّخذ موقفاً واعياً، حتى لو دفع ثمنه، إنها سينما تؤمن بأن التضحية، حين تُؤدَّى بوعي، تصنع المعنى، بعد عامين فقط، يأتي «العصفور» ليقلب المعادلة.

لا ملحمة، ولا بطل مركزى، ولا نهاية مريحة، الهزيمة هنا ليست نتيجة قوة خارجية، بل حصيلة فساد داخلى، وتضليل إعلامى، وتراكم صمت طويل. الشعب لم يعد كتلة نقية، بل ضحية جرى ترويضها على التلقى والتصفيق أكثر من السؤال، «العصفور» لا يُدين الناس بقدر ما يُدين تغييب وعيهم، وهو لا يبحث عن عدو واحد، لأن السلطة باتت شبكة متغلغلة فى المؤسسات والخطاب العام، وحتى فى الذهنيات، فى «الأرض»، الشعب حاضر بالفعل والمواجهة، وفى «العصفور» حاضر بالصدمة والدهشة المتأخرة.

هذا التحوّل لا يُمثّل تناقضاً، بل مراجعة قاسية: كأن شاهين يقول إن البطولة وحدها لا تكفى، وإن التضحية بلا وعى قد تقود إلى هزيمة أشد، يعتمد «الأرض» بناءً كلاسيكياً ورمزية متماسكة تُراكم التعاطف، أما «العصفور» فيكسر السرد، ويعتمد المونتاج الصادم والحوار المباشر، مقترباً من بيان سياسى بصرى.

هنا تُفضَّل الصدمة على الإمتاع، والمساءلة على الطمأنة، فى «الأرض»، السلطة شبه خارجية ويمكن تحديدها ومقاومتها، سلطة الاحتلال، فى «العصفور»، السلطة بنية مركّبة داخلية، هى منا وإفرازنا، تتخفى فى الخطاب والإدارة والإعلام، ويصعب الإمساك بوجه واحد لها. إنها سلطة تُهزَم فقط حين يُستعاد الوعى، الفيلمان بعد هزيمة 1967، لكن رؤية شاهين نفسها تغيّرت: من الإيمان بالبطولة الجمعية إلى الشك فى الوعى الجمعى، ومن تمجيد التضحية إلى المطالبة بالمحاسبة. «الأرض» يقول: قاوم، «العصفور» يقول: افهم، «الأرض» يرفع قيمة المقاومة، و«العصفور» يرفع قيمة الوعى.

الأول يمنح يقيناً أخلاقياً، والثانى يزرع قلقاً فكرياً ضرورياً. وبين اليقين والقلق تتجلى عظمة مشروع يوسف شاهين، سينما لا تكتفى بتصوير الحلم، بل تمتلك شجاعة انتقاده وإدانة صاحبه حين ينكسر.