محمود مرزوق يكتب: متحف فجر الضمير!

كتب: محرر

محمود مرزوق يكتب: متحف فجر الضمير!

محمود مرزوق يكتب: متحف فجر الضمير!

شهد خريف عام 1925 وصول عالم الآثار الأمريكى جيمس هنرى بريستد إلى القاهرة، وبريستد هو مؤسس المعهد الشرقى للآثار بجامعة شيكاغو، وأول أمريكى يحصل على دكتوراه فى علم المصريات، وله كتاب ذائع الصيت بعنوان «فجر الضمير»، والذى يطرح أن مصر القديمة هى مهد الضمير الإنسانى والالتزام الأخلاقى قبل أن يعرفه باقى الإنسانية.

كان بريستد يحمل فى جعبته مقترحاً جريئاً يتضمن إنشاء متحف مصرى كبير جديد على ضفاف النيل بتكلفة تقارب عشرة ملايين دولار، بتمويل من الملياردير الأمريكى جون دى روكفلر الابن، ليكون أكبر متحف للآثار المصرية فى العالم مع معهد بحثى متطور. كان بريستد يرى أن المتحف المصرى فى ميدان التحرير، الذى افتُتح عام 1902، بات عاجزاً عن استيعاب الثروة الأثرية المتنامية مع الاكتشافات الجديدة، خاصة بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، الذى أضاف آلاف القطع إلى متحف يعانى من التكدس وفيضانات النيل.


لكن المشروع حمل فى طياته بذور فشله الحتمى: فالمتحف المقترح لن يكون مصرياً خالصاً، بل سيُدار بواسطة لجنة دولية مكونة من ثمانية أعضاء، اثنان فقط منهم مصريون، والبقية أمريكيون وبريطانيون وفرنسيون، مع صلاحيات واسعة فى الحفظ والترميم والدراسة. وهو ترتيب كان يعنى استمرار الوصاية الأجنبية على أهم رمز للهوية المصرية فى وقت كانت فيه مصر تخرج من ثورة 1919، وتحاول تأكيد سيادتها بعد استقلال منقوص عام 1922.


وكان اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون قد ألهب الشعور الوطنى العام، وظهر هذا جلياً أثناء الصراع بين هوارد كارتر والحكومة المصرية حول الحق فى امتلاك مقتنيات المقبرة، حيث رفضت الحكومة نظام التقسيم التقليدى، وأكدت أحقيتها فى مقتنيات المقبرة بالكامل. وفى مارس 1924 افتتحها سعد زغلول فى احتفال تحول إلى مظاهرة وطنية صاخبة، والرسالة كانت واضحة: الآثار المصرية ملك للمصريين وحدهم.


إلى جانب الرفض المصرى، واجه المشروع معارضة فرنسية، إذ كانت فرنسا تسيطر على مصلحة الآثار منذ خمسينات القرن التاسع عشر، وكان جميع مديريها فرنسيين. وفى العشرينات كانت المؤسسات الأمريكية تموّل سبعاً من كل ثمانى بعثات أجنبية فى مصر، ومشروع بريستد-روكفلر كان يهدد ما تبقى من الهيمنة الفرنسية على علم المصريات، رغم تخصيص مقعدين لفرنسا فى مجلس الإدارة.


الوثائق تكشف أن بريستد نفسه روّج للمشروع لدى وزارة الخارجية الأمريكية كوسيلة لفتح المجال السياسى فى مصر أمام النفوذ الأمريكى عبر بوابة علم الآثار، وكانت الاستراتيجية تقوم على بناء تحالف أنجلو-أمريكى فى الشرق الأوسط عبر مؤسسة ثقافية تبدو غير هادفة للربح، لكنها تخضع لسيطرة غربية، أسوة بالعديد من المؤسسات الأجنبية التى تمتلك أهدافاً غير أهدافها المعلنة.


وبحلول نهاية 1926 رفضت الحكومة المصرية المشروع نهائياً، وأغلقت الباب أمام إنشاء متحف مصرى جديد كان سيخضع للهيمنة الأجنبية، فأعاد روكفلر تخصيص الأموال: خمسة ملايين دولار لترميم مبانٍ قديمة فى فرجينيا، والباقى لتوسيع المعهد الشرقى وإنشاء «بيت شيكاغو» فى الأقصر الذى لا يزال يعمل حتى اليوم.
فشل المشروع كان نصراً للوطنية المصرية فى لحظة حاسمة، حيث أكدت مصر رفضها لأى وصاية أجنبية على تراثها مهما كانت المغريات المالية، وظلت تعتمد على المتحف المصرى فى التحرير حتى مطلع القرن الحادى والعشرين، عندما بدأت بناء المتحف المصرى الكبير الذى يمكن اعتباره استكمالاً لذلك الحلم، لكن بسيادة مصرية كاملة.


والمؤكد أن التراث الثقافى ليس مجرد قضية علمية، بل هو فى صميمه قضية سيادة وطنية وهوية جماعية، والصراع لم يكن فقط على القطع الأثرية، بل على السؤال الأعمق: من يملك الحق فى رواية تاريخ مصر وتفسيره للأجيال القادمة؟


مواضيع متعلقة