رسالة «عيد الشرطة»: «الدولة الوطنية» ضد «الميليشيا»

فى كلمته خلال احتفالات الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، لم يكن الرئيس عبدالفتاح السيسى يلقى مجرد خطاب تقليدى فى مناسبة وطنية، بل كان يكرر تحديد الإطار الفكرى الحاكم لمنطق الدولة المصرية، وحدودها، ومفهوم مؤسساتها، وطبيعة العلاقة بين السلطة والشعب. حين قال بوضوح إن الشرطة المصرية «مؤسسة وطنية خالصة تضم أبناء وبنات الشعب المصرى من كل بيت، وليست ميليشيات أو جماعات خارجة عن القانون»، لم تكن العبارة توصيفاً إنشائياً، بل كانت رسالة سياسية عميقة الدلالة.


الرسالة هنا تتجاوز الدفاع عن مؤسسة بعينها، لتصل إلى الدفاع عن فكرة الدولة الوطنية ذاتها. فالتأكيد على أن الشرطة ليست أداة لحماية أشخاص، بل جهاز لحماية الدولة والمجتمع، يعكس إدراكاً واعياً لخطورة الانزلاق نحو نماذج مشوهة من الحكم شهدتها دول عديدة فى الإقليم، حين تفككت المؤسسات، وصعدت بدلاً منها الميليشيات، أو الجماعات المسلحة، أو الكيانات الموازية التى ادعت تمثيل الشعب بينما كانت فى حقيقتها معول هدم للدولة.
ولقد تأسس مفهوم «الدولة الوطنية» -الذى شاع استخدامه عالمياً فى العقود الأخيرة- على تصورٍ يعتبر الدولة كياناً سياسياً ذا سيادة، يمارس سلطته داخل نطاق جغرافى محدد، ويمثل وجوده ضرورة لتنظيم حياة البشر وضمان استقرارهم. وتقوم هذه الدولة على فكرة جوهرية مفادها أن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وأن رابطة المواطنة فيها تتقدم على أى انتماءات فرعية أخرى.


وبموجب هذا التصور، لا يجوز التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو الجنس، ولا وفقاً للمكانة الاجتماعية، أو الاتجاه المذهبى، أو الخلفية الثقافية، بل يتساوى الجميع أمام القانون فى الحقوق والواجبات، بوصفهم شركاء فى الوطن لا رعايا يملكهم حكم أو تستعبدهم سلطة أو جماعة.


من هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب الرئيس بوصفه ترسيخاً لمعادلة جوهرية: لا دولة بلا مؤسسات، ولا أمن بلا قانون، ولا استقرار مع وجود قوى موازية تحت أى مسمى. فحين تصبح البنادق خارج إطار الدولة، وحين تدّعى جماعات بعينها امتلاك «شرعية» مستقلة عن المجتمع ومؤسساته، يبدأ العد التنازلى لفكرة الوطن نفسها.


الرئيس السيسى بدا وكأنه يرسم خطوطاً حمراء واضحة: الدولة المصرية ليست كياناً هشاً قابلاً للتفكيك، ولا ساحة مفتوحة لتجارب الفوضى. الشرطة - كما الجيش، والقضاء، وبقية مؤسسات الدولة- هى تعبير عن المجتمع نفسه، وليست جسماً غريباً مفروضاً عليه. ولهذا حرص على استخدام تعبير «أبناء وبنات الشعب المصرى من كل بيت»، لأن المعركة هنا ليست دفاعاً عن جهاز، بل دفاع عن شرعية وطنية جامعة.


اللافت أن هذا الخطاب يأتى فى توقيت إقليمى شديد الحساسية، حيث تتكاثر النماذج التى انهارت فيها الدول حين ضعفت مؤسساتها، أو حين تم استبدال مفهوم الدولة بمفهوم «الجماعة»، و«الميليشيا»، و«الولاء الخاص». من سوريا إلى ليبيا، ومن اليمن إلى السودان، تتكرر القصة نفسها: حين تسقط هيبة المؤسسة الوطنية، يبدأ الوطن كله فى التآكل.


ومن هنا يمكن فهم إصرار الرئيس فى كل مناسبة -محلية كانت أو دولية- على إعادة التذكير بمعنى الدولة الوطنية. ليس باعتباره شعاراً سياسياً، بل باعتباره ضرورة وجودية. فالدولة ليست مجرد حكومة، بل منظومة قيم وقانون ومؤسسات تحفظ التوازن بين السلطة والمجتمع، وتحمى فكرة المواطنة من التشظى.


إن القول بأن وظيفة الشرطة هى حماية الدولة والشعب «وليس حماية أشخاص» يحمل فى طياته رفضاً صريحاً لنموذج الدولة الشخصية، ورفضاً لفكرة تحويل المؤسسات إلى أدوات ولاء ضيق. وهو تأكيد على أن الشرعية فى الدولة الحديثة تستمد قوتها من القانون ومن الشعب، لا من الأشخاص مهما كانت مواقعهم.


فى المحصلة، لم يكن احتفال عيد الشرطة هذا العام مجرد احتفاء بالمناسبة، بل كان توظيفاً سياسياً متكاملاً يعبر عن فلسفة الدولة المصرية فى لحظة إقليمية مضطربة. بيان يؤكد أن مصر اختارت طريق الدولة، لا طريق الميليشيا؛ طريق المؤسسة، لا طريق الجماعة؛ طريق القانون، لا طريق الفوضى.


وهى رسالة لا تخص الداخل فقط، بل موجهة أيضاً إلى الخارج: مصر تعرف جيداً ماذا تريد أن تكون… وتعرف أكثر ماذا ترفض أن تصبح.