اللعب مع «الحجَّاج»

لا يوجد على الأرض ملائكة، بل بشر، وليس يصح تقييم فرد بحادثة أو واقعة معينة، يتم عزلها ثم الحكم عليه، بل التقييم أو الحكم يستوجب مراجعة مجمل أعمال الفرد، وكيف تطورت سلوكياته، وكيف سار في دروب الحياة حتى وصل إلى مرحلة احترام لذاته الإنسانية ولذوات من حوله بشكل يضعه في خانة الأفاضل «أهل الفضل»، أو كيف استسلم لشيطان نفسه فانخفض منسوبه من الأخلاق، وساءت سلوكياته بشكل يؤدي به إلى الإساءة لنفسه والإساءة لمن حوله، دون أن تأتيه لحظة يقف فيها مع نفسه ويصحح فيها مساره، ليس عيبًا أن يخطئ الإنسان أو يسيء الأداء في موقف، المهم أن يتعلم من أخطائه ويطور أداءه، هكذا يفكر الإنسان السوي الذي يعلم أن الناس ليسوا ملائكة يمشون على الأرض: «قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا».

لا يصدق هذا الكلام على شخصية من شخصيات التاريخ كما يصدق على عمر بن عبدالعزيز، وذلك في موقفه من خبيب بن عبدالله بن الزبير، فقد تسبب في وفاته حين نفذ أمر الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك وجلده 50 جلدة وصب عليه الماء البارد في يوم شاتٍ فمات من فوره. قد يقال إن عمر بن عبدالعزيز نفّذ -كوالٍ على المدينة- أوامر الخليفة، ولم يكن له كرجل دولة مسئول أن يفعل غير ذلك، وهذا الكلام مردود عليه، فموقعه كوالٍ كان يمكّنه من معرفة أعداء الدولة الأموية من المحايدين، والأرجح أن «خبيبًا» لم يكن رجل سياسة بل عبادة وزهادة، وإذا كان يؤيد والده عبدالله بن الزبير فلم يكن وحيدًا في ذلك، فقد بايع «عبدالله» ولايات كاملة، وكثير من أهل المدينة كانوا يؤيدونه ويكتمون ذلك، ولم يرد في كتب التراث ما يشير إلى أن «خبيبًا» عادي الدولة الأموية أو انتقص من الخليفة الوليد، وبالتالي فقد قُتل مظلومًا، وعمر بن عبدالعزيز أول من يعلم ذلك، وإلا لماذا ركبه الحزن والخوف وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء بعد وفاة «خبيب»؟.

ربما كان الأمر هفوة أو زلة من عمر بن عبدالعزيز -كما يذهب «ابن كثير» في «البداية والنهاية»- وهي هفوة أو زلة لم تفد «عمر» شيئًا لدى الخليفة الوليد بن عبدالملك، الذي قرر سنة 93 هجرية، أي في السنة التي شهدت مقتل «خبيب، عزله عن إمرة المدينة، ويشير «ابن كثير» إلى أن السبب في ذلك أن عمر بن عبدالعزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج بن يوسف الثقفي من ظلمه وغشمه، ولما سمع «الحجّاج» بذلك كتب هو الآخر إلى «الوليد»، إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة ومكة، وهذا وهن وضعف في الولاية فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما.

لقد استمع «الوليد» إلى «الحجاج» ولم يلتفت إلى كلام عمر بن عبدالعزيز في حقه، بل كان كلامه هذا سببًا في عزله.