«كنوز تحت الجليد».. ثروات طبيعية ومعادن في قلب التنافس الدولي
«كنوز تحت الجليد».. ثروات طبيعية ومعادن في قلب التنافس الدولي
على الرغم من أن أكثر من 80% من مساحة جزيرة جرينلاند لا تزال مغطاة بطبقات سميكة من الجليد، لكنها تُصنَّف بوصفها واحدة من أكثر المناطق ثراء بالموارد الطبيعية غير المستغلة عالمياً، وهو ما جعلها تتحول إلى بؤرة اهتمام متصاعد لدى القوى الكبرى، في ظل ما تختزنه من احتياطيات معدنية وموارد طاقة ذات طابع استراتيجي، إذ تضعها الطبيعة الجيولوجية ضمن قائمة المناطق الواعدة التي يمكن أن تلعب دوراً محورياً فى إعادة رسم خريطة الإمدادات العالمية للمواد الخام الحيوية في العقود المقبلة.
ويرى البروفيسور حسن عبدالله الدعجة، مستشار معهد الحزام والطريق بجامعة بكين، أن جرينلاند تمثل اليوم نقطة ارتكاز جيوسياسية بالغة الحساسية في النظام الدولي، إذ لم تعد جزيرة نائية هامشية، بل تمثل فضاءً استراتيجياً تتقاطع عنده مصالح القوى الكبرى، فموقعها بين القطب الشمالي وشمال الأطلسي يجعلها مفتاحاً للممرات البحرية الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد، كما يمنحها قيمة عسكرية ورصدية عالية في مجال الإنذار المبكر والرقابة الفضائية والبحرية، وبالتالي فهي بالنسبة للولايات المتحدة تشكل عمقاً دفاعياً أساسياً ضمن منظومة الناتو، وركيزة لاحتواء النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي، خصوصاً مع سعى بكين لتوسيع «طريق الحرير القطبي» واستثماراتها في البنية التحتية. أما أوروبا، وخصوصاً الدنمارك والاتحاد الأوروبي، فتنظر إلى الجزيرة باعتبارها جزءاً من مجالها السياسي والاقتصادي، ورافعة لتعزيز سيادتها القطبية وقدرتها على إدارة الموارد الطبيعية الهائلة هناك من معادن نادرة وطاقة.
جرينلاند تمتلك مخزوناً كبيراً من الموارد الطبيعية والمعادن النادرة
وأكد «الدعجة»، لـ«الوطن»، أن جرينلاند تمتلك مخزوناً كبيراً من الموارد الطبيعية والمعادن النادرة التي تجعلها مرشحة للتحول إلى بؤرة تنافس اقتصادي وجيوسياسي بين القوى الكبرى في العقود المقبلة، فمع تسارع التحول الطاقي العالمي والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الخضراء والرقمية، باتت معادن مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة ذات قيمة استراتيجية مماثلة للنفط والغاز في القرن الماضي، وهذه المواد ضرورية لصناعة البطاريات، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات المتقدمة، ما يضع جرينلاند في قلب سلاسل الإمداد العالمية، كما يمكن أن تتحول هذه الثروة إلى أداة ضغط إذا ما سعت دولة أو تكتل معين إلى احتكار الاستثمار أو التحكم في الاستخراج والتصدير، الأمر الذي قد يخلق تبعية اقتصادية أو توترات دبلوماسية مع الدنمارك والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وكشف موقع «ذا وورلد داتا» أن جرينلاند تملك عدة ثروات، تُبرز ما يُعرف بالعناصر الأرضية النادرة، التي تُعد حجر الأساس في الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، وتشير التقديرات إلى أن جرينلاند تحتوى على احتياطيات هائلة قد تصل إلى نحو 36 إلى 42 مليون طن من هذه المواد، وهى كميات تضعها، وفق بعض التقديرات، في المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين.
تراكمات من اليورانيوم والزنك والباريوم
وتشمل هذه العناصر النيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم، وغيرها من المعادن التي تدخل بشكل أساسي في تصنيع المغناطيسات الدائمة المستخدمة في السيارات الكهربائية، وتوربينات طاقة الرياح، والأنظمة الدفاعية والتقنيات المتقدمة، إذ تتمركز أبرز هذه الاحتياطيات في موقع «كفانيفيلد» الواقع جنوب الجزيرة، والذي يُعد جزءاً من مجمع «إليماوساك» الجيولوجي، حيث تشير البيانات إلى احتوائه على أكثر من 11 مليون طن من العناصر الأرضية النادرة، إلى جانب تراكمات من اليورانيوم والزنك والباريوم.
وفى السياق ذاته، يبرز مشروع «تانبريز» بوصفه أحد أكبر مواقع تراكم العناصر الأرضية الثقيلة على مستوى العالم، إذ تُقدَّر نسبة هذه العناصر في خاماته بأكثر من 27%، مقارنة بنسبة تتراوح عادة بين 5 و10% في العديد من المواقع التعدينية الأخرى عالمياً، ما يمنحه أهمية اقتصادية واستراتيجية مضاعفة.
وبعيداً عن العناصر الأرضية النادرة، تكشف المعطيات الجيولوجية، وفقاً لتقرير صادر عن وكالة «رويترز»، أن جرينلاند تضم باقة واسعة من المعادن التي تُعد ركائز أساسية في صناعات الطاقة والتكنولوجيا الحديثة، ففي مجال الجرافيت، الذي يُعد مكوناً رئيسياً في بطاريات السيارات الكهربائية والبطاريات الصناعية، حصل مشروع «أميتسوك» جنوب الجزيرة على رخصة استغلال طويلة الأجل، في خطوة وُصفت بأنها جزء من مساعٍ أوروبية وأمريكية لتأمين مصادر بديلة لهذا المعدن الحيوي، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».
أما النحاس والنيكل، فتشير تقارير «مودرن دبلوماسى» إلى وجودهما في عدة مناطق من الجزيرة، مع اعتبارهما من الموارد الواعدة للاستخراج مستقبلاً، خصوصاً في ظل الارتفاع المتواصل في الطلب العالمي على المعادن المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة النظيفة والصناعات التكنولوجية المتقدمة.
أما في قطاع المعادن الثمينة، فتُظهر البيانات وجود رواسب ذهبية جرى استغلال بعضها بالفعل في مناجم محدودة، من أبرزها منجم «نالوناك» (Nalunaq)، الذي أُعيد تشغيله مؤخراً بعد سنوات من التوقف، في ظل ارتفاع أسعار الذهب عالمياً وتزايد الاهتمام بالاستثمار فى الموارد البديلة، بحسب ما أفاد موقع «جيولوجي فور إنفستور»، كما تتوزع في مناطق متفرقة من جرينلاند احتياطيات من الحديد والزنك والتنجستن، وهى معادن أُبلغ عن وجودها بكميات لافتة، رغم أنها لم تدخل حتى الآن مرحلة الإنتاج التجاري واسع النطاق، بسبب التحديات الفنية واللوجيستية التي تحيط بعمليات الاستخراج في البيئة القطبية القاسية.
وعلى صعيد الطاقة، تشير دراسات جيولوجية متخصصة إلى أن المناطق البحرية المحيطة بالجزيرة قد تحتوى على احتياطيات كبيرة من النفط والغاز تقدَّر بنحو 30 إلى 31 مليار برميل مكافئ نفطى، وهو رقم من شأنه، في حال تم استغلاله تجارياً، أن يضيف بُعداً اقتصادياً جديداً لأهمية جرينلاند على خريطة الطاقة العالمية، ويحوّلها إلى لاعب محتمل في سوق الموارد الهيدروكربونية في المستقبل.