المستشار صدقي خلوصي يكتب: معارك الدولة القانونية

كتب: محرر

  المستشار صدقي خلوصي يكتب: معارك الدولة القانونية

المستشار صدقي خلوصي يكتب: معارك الدولة القانونية

تحتفل هيئة قضايا الدولة بمرور مائة وخمسين عاماً علي إنشائها، وهي مناسبة وطنية وقضائية بالغة الدلالة، لا تتعلق فقط بعمر مؤسسة عريقة، وإنما بتاريخ طويل من العمل القانوني الجاد في خدمة الدولة المصرية، وحماية المال العام، وصون حقوق الوطن في الداخل والخارج، وترسيخ دعائم سيادة القانون.

كانت -ولا تزال- الهيئة منذ إنشائها مسؤولة عن الدفاع عن مصالح الوطن، فلم يكن هذا الدور شكلياً، بل كان تعبيراً مبكراً عن إدراك الدولة لأهمية وجود جهاز قانوني متخصص يتولي الدفاع عن مصالحها أمام جهات القضاء، ويضطلع بمسؤولية المواجهة القانونية في زمن كانت فيه التحديات جسيمة والتدخلات الأجنبية واسعة.

ومع تطور الدولة المصرية وصدور دستور عام 1923، دخلت الهيئة مرحلة جديدة من تاريخها المؤسسي ، حيث صدر أول قانون ينظم عملها في ظل هذا الدستور، وهو القانون رقم (1) لسنة 1923، لتُعرف آنذاك باسم «لجنة قضايا الحكومة». ومنذ تلك اللحظة، لم تعد مهمتها قاصرة علي الدفاع عن أشخاص، وإنما أصبحت معنية بالدفاع عن الدولة ذاتها، وعن المال العام، وعن المصالح العليا للحكومة، مع إقرار مبدأ مهم مفاده أن الجهات الإدارية والهيئات العامة لا تمثل نفسها أمام القضاء، وإنما يكون تمثيلها القانوني منوطاً بهذه اللجنة المتخصصة.

واستمر هذا التنظيم حتي إنشاء مجلس الدولة، حيث جرى توزيع الاختصاصات بين الهيئتين، فآلت مهمة الفتوى والتشريع إلى مجلس الدولة، بينما احتفظت هيئة قضايا الدولة -بمسماها الجديد لاحقاً- باختصاص الدفاع في القضايا التي تُرفع من أو على جهات الحكومة، وهو اختصاص بالغ الأهمية، يضع على عاتق أعضائها مسؤولية جسيمة في حماية حقوق الدولة أمام مختلف جهات القضاء.

وفي عام 1968، صدر التعديل الذي نقل المسمى إلى «هيئة قضايا الدولة»، في خطوة تعكس تطور الدور وتنامي الاختصاص، ولم يعد تمثيل الهيئة مقتصراً على السلطة التنفيذية فقط، بل امتد ليشمل تمثيل السلطات الثلاث: «التنفيذية، والتشريعية، والقضائية»، فيما يُرفع منها أو عليها من دعاوى، لتصبح الهيئة بحق محامي الدولة المصرية أمام القضاء. كرس الدستور المصري هذا الدور، حيث نص دستور 2014 صراحة على هيئة قضايا الدولة، باعتبارها هيئة قضائية مستقلة، تضطلع بتمثيل الدولة في المنازعات القضائية داخلياً وخارجياً، وتباشر اختصاصاتها أمام مختلف المحاكم والهيئات ذات الاختصاص القضائي ، بما يعكس الثقة الدستورية في هذا الكيان العريق ودوره الوطني .

ومع اتساع اختصاص الهيئة، اتسع انتشارها الجغرافي ، فبعد أن كانت فروعها محدودة، أصبحت اليوم حاضرة في جميع محافظات الجمهورية، بفرع أو أكثر حسب اتساع المحافظة وتعدد جهات التقاضي فيها، وهو ما أسهم في تعزيز كفاءة العمل القضائي ، وتقريب العدالة، وضمان سرعة الفصل في القضايا التي تمس حقوق الدولة.

وعلى مدار تاريخها، خاضت هيئة قضايا الدولة العديد من المعارك القانونية الكبرى، سواء في الداخل أو في المنازعات الدولية، وكان لأعضائها دور مشهود في الدفاع عن مصر أمام هيئات التحكيم الدولية. ومن بين أبرز تلك المنازعات، قضايا استثمار دولية بالغة التعقيد، استطاعت الدولة إدارتها قانونياً باحتراف، والتعامل مع أحكامها بمسؤولية، بما يحفظ سمعة الدولة القانونية ويؤكد احترامها لالتزاماتها الدولية.

إن الاحتفال بمرور مائة وخمسين عاماً على إنشاء هيئة قضايا الدولة ليس احتفالاً بالماضي فحسب، بل هو تأكيد على استمرارية الدور، وتجديد للعهد بأن تظل الهيئة درع الدولة القانوني ، وحصنها المنيع في مواجهة كل اعتداء على المال العام أو الحقوق السيادية، وأن يواصل أعضاؤها أداء رسالتهم السامية في صمت وتجرد، إعلاءً لمصلحة الوطن، وانتصاراً لسيادة القانون.

تحية تقدير لكل من تعاقبوا على خدمة هذه الهيئة العريقة، وتحية خاصة لشبابها الذين يحملون الراية اليوم، ويصنعون مستقبلها، وهم على قدر المسؤولية والأمانة.

رئيس هيئة قضايا الدولة الأسبق


مواضيع متعلقة