مي سمير تكتب: بريطانيا تعيد تفعيل سلاح الظل.. «MI 6» يتحول من جمع المعلومات إلى مواجهة روسيا في المنطقة الرمادية

كتب: محرر

مي سمير تكتب: بريطانيا تعيد تفعيل سلاح الظل.. «MI 6» يتحول من جمع المعلومات إلى مواجهة روسيا في المنطقة الرمادية

مي سمير تكتب: بريطانيا تعيد تفعيل سلاح الظل.. «MI 6» يتحول من جمع المعلومات إلى مواجهة روسيا في المنطقة الرمادية

منذ تأسيسه رسمياً عام 1909، ظل جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني المعروف باسم «MI 6» أحد أعمدة القوة غير المرئية للدولة البريطانية، وأداة مركزية في إدارة نفوذها العالمي خلال القرن العشرين. فقد نشأ الجهاز في سياق التنافس الإمبراطوري مع ألمانيا القيصرية، ثم تحول خلال الحربين العالميتين إلى ذراع أساسية في الحرب السرية، قبل أن يصبح خلال الحرب الباردة جزءاً من منظومة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي إلى جانب الاستخبارات الأمريكية. وفي كل تلك المراحل، ارتبط اسم «MI 6» بفكرة «الدولة العميقة» البريطانية، التي تعمل في الظل لحماية المصالح الاستراتيجية، بعيداً عن الرقابة الشعبية المباشرة. في هذا الظل صاغت المخابرات البريطانية الكثير من العمليات السرية في مختلف أنحاء العالم، من تمويل الإخوان المسلمين في مصر في أربعينات القرن الماضي، إلى المساعدة في إسقاط حكومة مصدق في إيران بالتعاون مع المخابرات الأمريكية.

وخلال العقود الأخيرة، وخصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، أعاد الجهاز توجيه أولوياته نحو مكافحة الإرهاب العابر للحدود، والتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، وهو ما جعله أقل حضوراً في المجال السياسي الأوروبي المباشر، وأكثر انخراطاً في ملفات الشرق الأوسط وآسيا. لكن هذا الدور ظل محاطاً بحساسية سياسية داخل بريطانيا نفسها، خاصة بعد الجدل الكبير حول توظيف المعلومات الاستخباراتية لتبرير غزو العراق عام 2003، وهو ما أصاب صورة الجهاز بضرر معنوي طويل الأمد.

بريطانيا تحاول كسر الصورة النمطية المرتبطة بالتجسس

اليوم، ومع تصاعد المواجهة بين روسيا والغرب، وعودة أوروبا إلى منطق الصراع الأمني المباشر، يبدو أن «MI 6» يقف أمام لحظة إعادة تعريف لدوره التاريخي. فبدل الاكتفاء بجمع المعلومات وتحليلها لصناع القرار، تتجه القيادة الجديدة للجهاز نحو استعادة نموذج «العمل النشط»، الذي ميز فترات سابقة من تاريخه، حين لم يكن مجرد جهاز رصد، بل أداة تدخل غير مباشر في مسار الأحداث داخل الدول. هذا التحول لا يعكس فقط تغيراً في العقيدة الاستخباراتية، بل يكشف أيضاً عن محاولة بريطانية لتعويض تراجع الوزن العسكري والاقتصادي بلغة النفوذ السري والعمليات الرمزية.

وبذلك، فإن الحديث عن التحول الجديد داخل «MI 6» لا يمكن فهمه بمعزل عن سياقه التاريخي: جهاز ولد في زمن الإمبراطورية، وتكيف مع الحرب الباردة، ثم أعاد ترتيب أولوياته بعد «الحرب على الإرهاب»، يعود اليوم ليطرح نفسه لاعباً فيما يسمى بـ«المنطقة الرمادية» بين السلم والحرب. وهي مساحة تتقاطع فيها السياسة، والدعاية، والحرب النفسية، والعمليات السرية، في محاولة لإدارة الصراع مع الخصوم دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

.

جهاز عصري

يرى تقرير حديث لمجلة فورين بوليسي أن جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني، رغم طبيعته السرية، أصبح شديد الانشغال بصناعة صورة عامة لنفسه أمام المجتمع البريطاني والعالم. فبدل الاكتفاء بدور «الجهاز الخفي»، بات «MI 6» يقدم نفسه كمؤسسة عصرية تعكس شكل الدولة البريطانية اليوم: منفتحة، متنوعة اجتماعياً، ولا تقوم على الامتيازات الطبقية القديمة. هذا التحول يعني عملياً أن الانضمام إلى الجهاز لم يعد مرتبطاً بشبكات النخبة التقليدية في أوكسفورد وكامبردج، بل أصبح يتم عبر بوابات إلكترونية رسمية، في محاولة لإظهار الجهاز كجزء من مؤسسات الدولة الحديثة لا كذراع غامضة للنخبة الحاكمة.

وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن بريطانيا تحاول كسر الصورة النمطية المرتبطة بالتجسس، سواء تلك القادمة من أفلام جيمس بوند المليئة بالمغامرات الاستعراضية، أو صورة الجاسوس الكئيب في روايات جون لو كاريه، لصالح نموذج بيروقراطي محترف يعمل بمنطق الإدارة الحديثة. ويعكس ذلك توجهاً سياسياً أوسع داخل لندن لإعادة بناء الثقة بين المجتمع وأجهزته الأمنية، خاصة بعد سنوات من الجدل حول دور الاستخبارات في السياسة الخارجية.

بل إن المدير السابق للجهاز (المعروف باسم «سي »)، السير ريتشارد مور، صاغ حتى الهاشتاج «#ForgetJamesBond» في منشور على منصة إكس عن الوظائف في جهاز MI 6 بوصفها وظائف تخدم الدولة والمجتمع.

بهذا المعني ، لا يتعلق الأمر بمجرد دعاية مؤسسية، بل بمحاولة إعادة تعريف دور جهاز الاستخبارات داخل الدولة البريطانية: من أداة نخبوية تعمل في الظل، إلى مؤسسة رسمية تسعي لاكتساب شرعية اجتماعية أوسع، في وقت تتزايد فيه المواجهات الدولية وتحتاج فيه لندن إلى دعم داخلي لأي دور استخباراتي أكثر نشاطاً في الخارج.

امرأة تقود الاستخبارات

ويضيف تقرير «فورين بوليسي» أن البعض قد يتساءل، بناء على ذلك، عما إذا كان تعيين بليز ميترويلي، أول امرأة تقود جهاز المخابرات البريطانية، جزءاً من هذه الحملة الإعلامية. فقد جرى إبرازها (تحت الاسم المستعار «آدا») في تقرير إيجابي بصحيفة فايننشال تايمز عام 2022 عن النساء الصاعدات، اللواتي كن يشغلن في ذلك الوقت ثلاثة من أصل أربعة مناصب نائب رئيس عليا في الجهاز. وكان «مور» قد أوضح مراراً أنه يريد أن تخلفه امرأة - في حالة تبدو فيها الحياة مقلدة للفن، نظراً لأن رئيس جيمس بوند أدت دوره الممثلة جودي دينش في ثمانية أفلام بوند منذ عام 1995.

لكن، بحسب تقرير مجلة فورين بوليسي، فإن إرجاع ترقيتها أساساً إلى كونها امرأة سيكون خطأ. فبداية، كان لميترويلي مسار مهني عملياتي متميز، انتهى بها الأمر إلى تولي رئاسة فرع «Q»، الذي يتعامل مع العلوم والتكنولوجيا. وهو اسم مستمد من أفلام بوند، لكنه أصبح اليوم مصطلحاً متداولاً لوصف مبتكري الأدوات الذكية في جهاز التجسس البريطاني. باختصار، كانت مسؤولة عن الإدارة التي تصمم الأدوات التكنولوجية التي تساعد الجواسيس. وقد تساءل البعض عما إذا كانت السمة الوحيدة المميزة في أزياء ميترويلي -ولعها بالبروشات الكبيرة- قد تكون إشارة إلى التاريخ الطويل لاستخدام المجوهرات بوصفها أدوات تجسس.

«ميترويلي» متزوجة ولديها أسرة، وهي حفيدة مهاجرين من أوروبا الشرقية انتقلوا إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. عاشت طفولتها في هونج كونج بينما كان والدها، وهو طبيب بارز، يعمل هناك. التحقت بإحدى أعرق المدارس الثانوية الخاصة في بريطانيا، وستمنستر، ثم بجامعة كامبردج، حيث كانت بطلة في رياضة التجديف. ولا تزال تمارس التجديف مع مجموعة من الأصدقاء شديدي التحفظ. وكانت وظيفتها الوحيدة خارج «MI 6» إعارة متبادلة إلى الوكالة الشقيقة الداخلية، «MI 5».

مواجهة صريحة مع روسيا

وبحسب تقرير مجلة فورين بوليسي، تشير ميترويلي الآن إلى تغيير في جهاز «MI 6»، تغيير يستحضر حقبة أقدم وأكثر مغامرة. ففي أول خطاب علني لها، لم تذكر الإرهاب إلا نادراً، رغم أنه كان أولوية قصوى لأكثر من عقدين، كما بالكاد تطرقت إلى الصين، التي تعتبرها الحكومة أكبر تهديد وشيك للأمن القومي . كما تجاهلت تقريباً الولايات المتحدة، التي كانت يوماً أهم حليف استخباراتي لبريطانيا، وأصبحت تعد الآن في نظر كثيرين في لندن دولة غير متوقعة، بل وعدائية بشكل صريح في بعض الجبهات.

وبدلاً من ذلك، ركزت -وفق تقرير «فورين بوليسي »- على حملة روسيا لتصدير الفوضي ، مشيرة إلى الحرق العمد، وأعمال التخريب، والهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية، والطائرات المسيرة التي تحوم فوق المطارات والقواعد العسكرية، وأنشطة «عدوانية» تحت سطح البحر، وعمليات تأثير تخلق وتستغل «الشقوق داخل المجتمعات». وقالت إنه في هذا الحيز «بين السلم والحرب»، لن يقتصر «MI 6» بعد الآن على فهم خصومه، بل سيتصدى لهم بنشاط: «سنشحذ حدتنا وتأثيرنا بجرأة، مستلهمين -إن شئتم- غرائزنا التاريخية على نمط منظمة العمليات الخاصة»، في إشارة إلى منظمة العمليات الخاصة البريطانية زمن الحرب.

ويشرح تقرير مجلة فورين بوليسي أن هذه الإشارة التاريخية تكاد تكون الأكثر إيحاء الممكنة. فقد أنشأ ونستون تشرشل منظمة العمليات الخاصة عام 1940، عندما كانت بريطانيا تقاتل شبه وحيدة ضد ألمانيا النازية، ومنحها مهمة «إشعال أوروبا». وكانت مهمتها تنفيذ أعمال تخريب وتقديم الدعم لحركات المقاومة في أنحاء أوروبا التي احتلتها ألمانيا.

ويتابع تقرير «فورين بوليسي» أن هذه المهمة أصبحت غير رائجة للغاية داخل «MI 6» في السنوات الأخيرة، حين ركز الجهاز ميزانيته (السرية، لكنها في حدود بضعة مليارات) على جمع أفضل معلومات استخبارية عالية المستوى ممكنة. وعندما تولى ريتشارد مور القيادة عام 2020، أغلق إدارة تأسست بتكلفة باهظة تدعى «الميزة الاستراتيجية»، التي كانت تركز جهود الوكالة على الأنشطة العدائية للدول من جانب روسيا والصين وإيران، بحسب مصادر عدة مطلعة. وقد استنكر الداخلون فكرة أن يكون «MI 6» أداة شاملة لكل مهمة سرية. وبدلاً من ذلك، ركز الجهاز على تزويد صناع القرار البريطانيين بأسرار قابلة للاستخدام العملي. وكانت النتائج أحياناً مذهلة: فالدخول في مفاوضات وأنت تعرف موقف الطرف الآخر التفاوضي يجعل التوصل إلى نتيجة سريعة ومواتية أكثر احتمالاً.

وفق تقرير مجلة فورين بوليسي ، شكك بعض مستخدمي جهاز الاستخبارات في قيمة هذا النهج. وقال وزير كان يطلع سابقاً على إنتاج جهاز المخابرات البريطانية: «مخيب للآمال». وفي عام 2024، انتقد نائب رئيس الجهاز السابق نايجل إنكستر علناً خدمته السابقة بسبب تراجع خبرتها في الصين، قائلاً: «من الواضح أن «MI 6» يعاني صعوبات من حيث الخبرة اللغوية والوعي التاريخي والثقافي الجماعي بالصين». وفي أحاديث أخرى مع مصادر استخبارية، طُرحت أسئلة مشابهة: أين المعرفة العميقة بالخصم التي تعطي معنى للسر المسروق؟ ماذا عن القيمة طويلة الأمد لاختراق عملية صنع القرار لدى الطرف الآخر بعمق؟ وهناك أيضاً مخاوف من أن المراقبة الشاملة تجعل التجسس التقليدي شبه مستحيل. فالصين تجمع بعناية بيانات بيومترية لرصد الشذوذ وأنماط السلوك التي قد تشير إلى التجسس، أما روسيا فقد بذلت جهوداً كبيرة لاختراق موقع تجنيد جهاز المخابرات البريطانية، وهو اختراق قد يكون مدمراً.

عودة العمل السري

ويشير تقرير «فورين بوليسي» إلى أن «ميترويلي»، إذا نجحت في فرض رؤيتها، ستعيد «MI 6» إلى ما يسمى في مصطلحات التجسس الأمريكية «العمل السري»، أي العمليات المخطط لها سراً، والتي تحقق نتائج باستخدام مزيج من الوسائل العلنية والسرية، وتجمع بين الأدوات العسكرية والسيبرانية والنفسية وغيرها من الأساليب. وعندما تمارس روسيا هذه التكتيكات، تسميها الدول الغربية «إجراءات نشطة» أو هجمات في «المنطقة الرمادية».

ويضيف تقرير مجلة فورين بوليسي أن الردود الغربية على هذه الهجمات كانت في معظمها ضعيفة ومتأخرة. والاستثناء الأبرز هو أوكرانيا، التي -رغم كونها في كثير من الأحيان ضحية لمثل هذه العمليات- نفذت عمليات مضادة ناجحة على نحو لافت داخل روسيا نفسها، مستخدمة سائقين روسيين غير مدركين لإطلاق هجمات بطائرات مسيرة على مطارات عسكرية، إضافة إلى شن هجمات سيبرانية مدمرة. وهو سر معروف أن جهاز المخابرات البريطانية عمل عن كثب مع الأجهزة الأوكرانية، من حيث التدريب والتوجيه، وكذلك من خلال تزويدها بالتكنولوجيا المتقدمة والمعلومات الاستخبارية اللازمة لإنجاح هذه العمليات.

ويقول تقرير «فورين بوليسي» إن الجهاز يمكنه أن يفعل أكثر من ذلك. فليس الأمر مجرد أن التركيز على الصورة العامة جعله في نظر البعض شديد الحذر، بل إن الإفراط في التركيز على أهم المعلومات عالية المستوى يستهلك موارد يمكن توجيهها إلى أهداف أقل سرية لأغراض أكثر عملية. ويعني الفساد الروسي أن معظم قواعد البيانات يمكن شراؤها ببساطة بدلاً من سرقتها. وبدلاً من معرفة ما أكله فلاديمير بوتين على الإفطار، لماذا لا يُحرج فقط عبر تسريب رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بمقربيه؟ أو ترك فتات من الأدلة يشعل جنون الارتياب التجسسي؟

وتشمل خيارات «العمل السري»، بحسب تقرير مجلة فورين بوليسي، تسريب التفاصيل المالية الشخصية للمقربين من بوتين، أو تعطيل الحياة اليومية في روسيا عبر خدع وتمثيليات ومقالب. كما يعد وضع إعلانات زائفة على منصات الإنترنت لإضعاف المعنويات خياراً آخر، في صدى للفنون السوداء التي استخدمتها بريطانيا ضد ألمانيا النازية. ويمكن لمثل هذه الإعلانات، على سبيل المثال، أن تروج لفكرة أن شابات روسيات يجدن عملاً سهلاً في صالونات تدليك صينية، كما يقول ضابط استخبارات سابق، وهو ما يستغل العنصرية الروسية المتجذرة ويغذي بشكل خفي استياء الروس المتزايد من اعتماد بلادهم المتزايد على نظام شي جين بينج. وخيار آخر يتمثل في التسبب في هلع مصرفي في بلدة روسية إقليمية تعاني أصلاً من ضغوط. ومثل هذه العمليات لا تتطلب وصولاً استخبارياً فائق الحساسية، بل تتطلب خيالاً وابتكاراً.

لكن هذه العمليات، كما يشير تقرير «فورين بوليسي»، تتطلب أعصاباً قوية. فالسؤال الكبير الذي يطرحه الأسلوب الأكثر مغامرة الذي توحي به تصريحات «ميترويلي » لا يتعلق بقدرات «MI 6»، إذ إن ضباطه الطموحين يتوقون إلى التحرك، بل يتعلق بالقيادة السياسية. فمن يتحمل المسؤولية إذا أخفقت عملية ما؟ أو ماذا لو نجحت نجاحاً كبيراً وأدت إلى رد انتقامي غاضب من روسيا؟

حتي الآن، يقول تقرير مجلة فورين بوليسي إن رؤساء ميترويلي السياسيين يقفون إلى جانبها. فقد تجاوزت بسهولة العاصفة التي أثيرت عند تعيينها، حين كشفت صحيفة «ديلي ميل» أن جدها الأوكراني، قسطنطين دوبروفولسكي، كان رئيس شبكة تجسس نازية ومجرم حرب محتملاً. (وقد تزوجت زوجته مرة أخرى، وحمل ابنه الصغير لاحقاً اسم زوج أمه الجديد، ميترويلي). كما أن لديها مجالاً واسعاً للتحرك. فجهاز المخابرات البريطانية معروف بخفة الرقابة عليه. ولجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية العابرة للأحزاب ضعيفة وقليلة الموارد، وظل باهت لنظيرتها القوية في مجلس الشيوخ الأمريكي. ومن حيث المبدأ، يخضع الجهاز للمساءلة أمام وزير الخارجية البريطاني، لكن رؤساء التجسس يحتجون بالسرية كلما طُرحت أسئلة محرجة. ولا يملك سلطة الاستفسار الكامل عما يفعله الجهاز سوى رئيس الوزراء وأمين مجلس الوزراء؛ وهما يقضيان «ربما ساعة واحدة في الشهر» في ذلك، على حد قول وزير سابق. إن نجاحات جهاز المخابرات البريطانية سرية، وكذلك -في الغالب- إخفاقاته.

.

ويخلص تقرير «فورين بوليسي» إلى أن الصورة البراقة المقترنة بالسرية تصنع المعجزات. وعلى خلفية جيش بريطاني أُفرغ من قوته، ونفوذ ناعم آخذ في الانكماش، واقتصاد متعثر، يبقي جهاز المخابرات البريطانية واحدة من المؤسسات القليلة المتبقية في البلاد التي تتمتع بسمعة عالمية رفيعة المستوى. ويساعده أيضاً استقرار القيادة. فخلال ولاية «مور» التي استمرت خمس سنوات، تعامل مع تعاقب ستة وزراء خارجية. وفي خضم الفوضى، قاد «مور» جهوداً شبه دبلوماسية مع الأمريكيين وحلفاء آخرين. وعلى الرغم من أن «مور»أو «سي » يحمل رسمياً رتبة وزير في الحكومة، لم يسبق أن تمتع رئيس لجهاز المخابرات البريطانية بمثل هذا الدور المستقل في وضع الأجندات. وقد أبرز حضور «مور» كيف أن مؤسسات بريطانيا القوية سدت الفراغ وسط اختلال النظام السياسي في البلاد.

وفي مبنى الجهاز الضخم ذي الزجاج الأخضر في فوكسهول كروس على الضفة الجنوبية لنهر التايمز، فإن «ميترويلي» ونحو 3500 من موظفيها ليسوا مجرد أوصياء على قدرات بريطانيا الاستخبارية السرية، بل قد يثبت أنهم عنصر أساسي في استعادة احترامها لذاتها أيضاً.

في المحصلة، لا يبدو التحول الجاري داخل جهاز «MI 6» مجرد تعديل في الخطاب الإعلامي أو إعادة ترتيب إداري داخلي، بل يعكس عودة واعية إلى منطق «العمل السري» بوصفه أداة سياسية في إدارة الصراع الدولي. فبريطانيا، التي تراجع وزنها العسكري والاقتصادي نسبياً في السنوات الأخيرة، تسعى إلى تعويض هذا التراجع عبر أدوات النفوذ غير المباشر: الحرب النفسية، والتأثير الإعلامي، والعمليات الرمزية التي لا تعلن مسؤوليتها عنها رسمياً. وبهذا المعنى، فإن «MI 6» يعود إلى جذوره التاريخية كجهاز لا يكتفي بمراقبة العالم، بل يحاول التدخل في مساره من وراء الستار.

غير أن هذه العودة إلى عالم العمليات السرية تحمل في طياتها مخاطرة مزدوجة: فهي قد تمنح لندن قدرة إضافية على الحركة في «المنطقة الرمادية» بين السلم والحرب، لكنها في الوقت نفسه تضعها أمام احتمالات التصعيد غير المحسوب مع خصوم يمتلكون الأدوات نفسها وربما أكثر قسوة. وهنا يصبح السؤال المركزي ليس ما إذا كانت المخابرات البريطانية قادرة على تنفيذ هذا التحول، بل ما إذا كانت القيادة السياسية قادرة على تحمل تبعاته. ففي زمن تتآكل فيه الحدود بين الدعاية والحرب، وبين الأمن والسياسة، قد تتحول العمليات السرية من وسيلة لحماية الدولة إلى شرارة تشعل صراعات أوسع من حدود السيطرة.