يسرا زهران تكتب: لماذا تفوز روسيا في حروبها ضد حلف «الناتو»؟
يسرا زهران تكتب: لماذا تفوز روسيا في حروبها ضد حلف «الناتو»؟
يسرا زهران
منذ شهور قليلة، أعلنت ألمانيا أنها بصدد إقامة نظام جديد للانضمام لقواتها المسلحة، كان هذا النظام الجديد يستهدف زيادة عدد مَن ينضمون إليها من الشباب ليصل إلى 60 ألف مجند سنوياً، وبدأ الجيل الألماني الجديد، من مواليد عام 2008 وما بعدها يتلقون استبيانات حول مدى جاهزيتهم ولياقتهم البدنية، ومدى استعدادهم للمشاركة في القتال لو لزم الأمر.
هو نظام قائم على المشاركة في القوات المسلحة الألمانية، المعروفة باسم «البوندسفير» على أساس تطوعي، وليس تجنيداً إجبارياً، لكنه كان يرسل رسالة للكل بأن ألمانيا جادة في زيادة جاهزيتها العسكرية، استعداداً لأي تهديد محتمل، خاصة من روسيا.

ضربة روسية استباقية محدودة لبريطانيا تستهدف منع تدخل الغواصات النووية في بحر البلطيق
بمجرد أن أعلنت ألمانيا عن نظام تجنيدها «التطوعي» الجديد، اندفع عشرات الآلاف من المتظاهرين من الشباب الألمان، من أبناء «جيل زد» الذين يستهدفهم التجنيد، من طلبة المدارس والجامعات الذين لا يتجاوزون العشرينات من العمر في مظاهرات أشعلت الشوارع الألمانية، ألقى المتظاهرون قنابل الطلاء على مباني وزارة الدفاع الألمانية وحاولوا إغلاق بواباتها بصناديق ورقية، مجرد شكل من الاحتجاج الطفولي الذي لا يصل لمرحلة التهديد والخطر، لكن مكمن الخطر الحقيقي كان في منطق الشباب الألماني الذي كان يتساءل صراحة، وفقاً لتقرير صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، قائلاً: ما الذي سأستفيده من الانضمام للجيش الألماني؟ لماذا أقدم جهودي لدولة توجه أكثر من ربع مواردها لدعم أصحاب المعاشات؟ ما الذي قدمته الديمقراطية الألمانية لى حتى أقدم لها شيئاً بالمقابل؟ بعضهم قال حتى إنهم يفضلون الحياة تحت الاحتلال الروسي لألمانيا على خسارة حياتهم في الحرب، أو أنهم سيتركون ألمانيا لو اندلعت الحرب مع روسيا، ليقيموا مع أقاربهم خارج البلاد.
وهنا عرفت أوروبا أنه لو اندلعت حرب جديدة مع روسيا، فقد خسرتها بالفعل من قبل أن تنطلق!
لا يبدو المشهد الأوروبي من الناحية العسكرية مبشراً بالخير، فعلى الرغم من التزام غالبية دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» بزيادة إنفاقها الدفاعي، استجابة لضغط الرئيس الأمريكي الحاسم، الذي طالب أوروبا صراحة بأن «تتحمل فاتورة الدفاع عن نفسها» ولا تنتظر من «واشنطن» الدفاع عن حلفائها مجاناً في مواجهة طموحات التوسع الروسي، الذي تخشاه أوروبا بأسرها، إلا أن عدم رغبة الشباب الأوروبي في المواجهة والقتال يمثل عائقاً يصعب التعامل معه.
في فرنسا أيضاً، التي تعتبر إحدى قوى «الناتو» الرئيسية في مواجهة التهديد الروسي، أدرك المسؤولون السياسيون فيها عدم رغبة شبابهم في الدخول في مواجهة وحرب مع روسيا. فى مختلف العواصم الأوروبية الكبرى، تتنوع أسباب رفض أبناء «جيل زد» للتطوع في الخدمة العسكرية، ما بين الحس السلمي الذي يرفض الحرب باعتبارها أكثر أشكال العنف الإنسانى حدة، أو المنطق النفعي البحت، الذى وصل لذروته في تفكير الجيل الجديد، ويرى أنه مطالب بأن يجازف بحياته وطاقته دون مقابل يذكر فى سبيل ديمقراطية لا تقدم له المقابل المناسب، ولا يمكنه حتى تحمل تكاليف معيشته فيها.
«تجار الخوف» داخل أوروبا يلعبون لصالح «موسكو» بتضخيم قلق الشعوب من التهديدات الروسية باستخدام الأسلحة النووية
هنا، تبدو الحجة التى يستخدمها «الكبار» عادة في أوروبا لإقناع شبابهم، بأن خطر الطموحات التوسعية الروسية يمكن أن يهدد «الديقراطية الغربية» وأسلوب حياة العالم الحر، حجة متهافتة، لا تصمد أمام انتقادات هؤلاء الشباب أنفسهم لأسلوب الحياة الذي يعيشون فيه، ويبدو على نحو متزايد بالنسبة لهم مجرد «أسلوب» خطابي دعائي أجوف لا يقدم لهم «الحياة» التي يريدون.
سيناريو «ماسالا»: اغتيالات روسية لرؤساء شركات الصناعات الدفاعية الألمانية لشل قدرة «برلين» على التسليح
هل يمكن لأحد في المقابل أن يتخيل مثل هذا المشهد الرافض أو المتمرد من شباب روسيا؟
«كارلو ماسالا» هو خبير أمني ألماني، وأستاذ يقوم بتدريس السياسات الدولية في جامعة «ميونيخ» التابعة للقوات المسلحة الألمانية (البوندسفير)، شغل من قبل منصب مدير مركز الدراسات الأمنية والاستخباراتية في الجامعة الفيدرالية للقوات المسلحة في «ميونيخ» الألمانية، ومن قبلها منصب نائب مدير قسم الأبحاث في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي في العاصمة الإيطالية «روما»، لم يشهد «كارلو ماسالا» هذه المظاهرات الشبابية الألمانية الرافضة للتجنيد التطوعي عندما أصدر منذ فترة قليلة كتابه الذي حمل عنوان «لو انتصرت روسيا»، ووضع فيه سيناريو كاملاً لما يمكن أن يحدث لو ربحت روسيا الحرب ضد أوكرانيا، كما يبدو عليه المشهد الختامي الحالي لهذه الحرب على الأرض، لكنه في الكتاب الذي أصدره، كان يقرأ المشهد بشكل مختلف، وأكثر شمولاً، يحاول أن يجد فيه الأسباب الحقيقية التي جعلت أوروبا، وعلى رأسها الدول التي توجد ضمن حلف شمال الأطلسي، تقع في هذا التخبط والتردد والانقسام والضعف الذي كشفت عنه الحرب الروسية الأوكرانية، وأدى إلى زيادة أطماع «موسكو» في تحقيق مكاسب توسعية إضافية على حساب القارة العجوز، التي تتساقط أسنانها الدفاعية في كل مرة تستجمع فيها نفسها وشجاعتها لمواجهة ضربات الدب الروسي.
«ماسالا» في كتابه الذي حقق أعلى المبيعات في ألمانيا وأوروبا منذ صدوره، كان يحاول أن يقرأ مستقبل أوروبا بعد الحرب الأوكرانية، هو على قناعة تامة بأن أوكرانيا كانت مجرد طلقة اختبار أولى، تجس بها روسيا مدى توافق وتماسك حلف «الناتو»، الذي يُعتبر فعلياً هو القوة المكافئة لصد طموحاتها التوسعية من وجهة نظره، ما يهم «ماسالا» في الكتاب الذي أصدره ليس تحديد المنتصر في الحرب الروسية الأوكرانية، وإنما منع هذا المنتصر من تحقيق مزيد من المكاسب في المستقبل، هذه المكاسب، كما يراها الخبير العسكري الألماني، تعني أن روسيا سوف تزداد جرأة في مواجهاتها لتضم إليها في المواجهة القادمة مع أوروبا أجزاء «محدودة» من دول «صغيرة» في حلف «الناتو» نفسه، بعد أن ربحت مواجهتها الأولى ضده خارج حدوده على الأراضي الأوكرانية.
وضع «ماسالا» في الكتاب الذي أصدره سيناريو تخيلياً لما يمكن أن يحدث في تلك الحروب الروسية القادمة ضد أوروبا والغرب، لم يتردد في طرح أكثر الاحتمالات جنوناً، وتخيل حال روسيا من بعد استقالة رئيسها الحالي «فلاديمير بوتين» بمحض إرادته، وبمناورة تخصه وحده عن الحكم، ليأتي من بعده رئيس شاب، يعمل كخبير اقتصادي دولي درس في بريطانيا وعمل في «دبي»، ويبدو منفتحاً على السلام مع أوروبا والعالم، فقط ليدرك الكل بعدها أن تلك الصورة المشرقة للرئيس الروسي الجديد كانت مجرد مخدر لتسكين أعصاب أوروبا الملتهبة من ضربات واستفزازات سلفه ضدها، وأن السياسة الروسية التوسعية مستمرة في حروبها ضد أوروبا ولكن بشكل أكثر تركيزاً ودقة.
سيناريو كتاب «ماسالا» اقترح أن الضربة الروسية القادمة ضد أوروبا ستكون بتحرك محدود لاحتلال بلدة صغيرة في دولة من دول بحر البلطيق، وتحديداً بلدة «نارفا» الحدودية مع «إستونيا»، بحجة حماية الأقليات الروسية هناك، عام 2028، بعد أقل من عامين على الانتهاء المرتقب للحرب الروسية الأوكرانية، التي استنزفت من أوروبا وروسيا الكثير، بالنسبة له، فإن تغير الوجوه في روسيا لن يعني تغير السياسات، وحتى لو رحل «بوتين» عن السلطة لأي سبب (وهو حلم لكثير من الأوروبيين ممن يعتبرون أن المشكلة تكمن في شخص الرئيس الروسي الحالي)، فإن القوة التي تدفقت في عروق «موسكو» بعد الحرب الأوكرانية، والضعف المقابل الذي تسرب إلى أعضاء دول حلف «الناتو» لن يعني إلا أن أوروبا تتجه نحو مزيد من التمزق والدماء.
«بوتين» ربح رهانه على «إرهاق» الشعوب الأوروبية خلال الحرب الأوكرانية.. والاستنزاف النفسي والذهني تأثيره أكبر من استنزاف الموارد الاقتصادية أو العسكرية
المرحلة الثالثة من الحرب الروسية ضد أوروبا في سيناريو «ماسالا» لن تكتفي بضربات «محدودة» في دولة صغيرة من دول الناتو مثل إستونيا، وإنما ستأتي بعدها ضربات في العمق الأوروبي، موجهة ضد دول المواجهة الكبرى فيه، مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، ضمن حرب هجينة أو مختلطة، تستخدم فيها روسيا أساليب مواجهة متنوعة للحد من قوة دول «الناتو»، مع الاستمرار في تجنب الدخول في مواجهة مباشرة معه، فعلى سبيل المثال، توقع «ماسالا» أنه في عام 2028، وهو العام الذي اقترحه لتجدد اشتعال القارة الأوروبية، فإن روسيا سوف تنفذ عمليات اغتيال احترافية ضد كبار رؤساء شركات الصناعات الدفاعية ومعدات التسليح الألمانية، حتى ترسل رسالة إنذار مباشرة وواضحة لـ«برلين» أنها قادرة على ضرب العمود الفقري لتسليح جيشها مهما زادت من الإنفاق العسكري عليه، في الوقت الذي توجه فيه «موسكو» ضربة استباقية أخرى، لن تعلن وقوفها وراءها صراحة، وإنما ستخطط لها كما لو كانت عملية تخريبية «مجهولة»، تحد من قدرة بريطانيا على تحريك غواصاتها النووية بحرية لمنع تحرك الغواصات النووية الروسية في بحر البلطيق أو في المحيط المتجمد الشمالي، حيث يمكن أن تتجه طموحاتها.
وفي كل هذه التطورات، رأى «ماسالا» أن حلف «الناتو» لن يقدر على حزم أمره في مواجهة التقدم الروسي، ولن تتحرك الدول الأعضاء فيه للدفاع عن زميلاتها التي تتعرض للهجوم الروسي، لن تجازف الولايات المتحدة بإشعال حرب عالمية ثالثة مع روسيا للدفاع عن دولة من دول حلف «الناتو»، ولن تجتمع كلمة قيادات دول أوروبا على تحرك موحد ضد «موسكو»، تحت ضغط داخلي من شعوبها التي سترفض أي مواجهة جديدة مع روسيا، وهكذا ستنتصر روسيا وتحقق أهدافها من مواجهاتها مع «الناتو»، ولكن السؤال الذي يحاول أن يجيب عنه الخبير العسكري الألماني في كتابه هو: لماذا؟، لو كان «ماسالا» قد رأى مظاهرات «جيل زد» الألماني ضد التجنيد التطوعي لأضافها إلى الأسباب التي رصدها في كتابه للضعف الأوروبي في مواجهة «موسكو»، ولغير عنوان كتابه من «لو» ربحت روسيا إلى «لماذا» تربح روسيا في مواجهاتها التي لا يبدو أن هناك مفراً منها في مواجهتها مع الغرب؟
ليست «العقدة» كامنة في حجم الإنفاق الدفاعي الأوروبي على حلف «الناتو» زيادة أو نقصاناً، ولا «الحل» في زيادة حجم المعدات والتسليح وعدد الأفراد في الجيوش الأوروبية، ما يحدث حالياً في المواجهة الأوسع والأكثر شمولاً بين روسيا ودول حلف الناتو على وجه التحديد هو إعادة رسم وهيكلة لفكرة التعاون العسكري الأوروبي المشترك، الذي تعود جذوره لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتعرض لإعادة التشكيل أكثر من مرة منذ عام 1949 وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي في التسعينات.
أوروبا اليوم تبدو في حالة سيولة غير واضحة المعالم، تعد بما لا تقدر عليه، وتهدد بما لا تملك، انسحاب تركيز الحليف الأمريكي من أوروبا إلى آسيا يعني أن ما يقرب من 65% من قدرات «الناتو» ليست مضمونة في أي مواجهة مع روسيا، وعدم وضوح الرؤية الأوروبية يعني أن التصميم الروسي سيظل هو عامل الحسم في أي مواجهة مقبلة.
ربما لهذا، وعندما بدأ «كارلو ماسالا» يضع في كتابه حسابات موازين القوى بين حلف «الناتو» وروسيا في أي مواجهة قادمة، كان للعوامل النفسية الثقل الأكبر في حسم هذه المواجهة، سواء فيما يتعلق بنفسية الشعوب، أو القوات المسلحة، أو الحرب النفسية التي تعرف روسيا كيف تشنها جيداً ضد الغرب.
وفيما يبدو وكأنه صدى لتلك المظاهرات الشبابية التي اندلعت مؤخراً في شوارع «برلين»، قال «ماسالا» إن إحدى نقاط الضعف الأساسية في العديد من دول «الناتو» في مواجهة روسيا، هو غياب الإرادة الشعبية لدى مواطني الدول الأوروبية للوقوف في وجه روسيا على نحو حاسم ومستمر، وأنها غير مستعدة لدفع ثمن هذه المواجهة، هذه الشعوب لم يعد يعنيها كثيراً القول إن الهدف الروسي هو ضرب القيم والمؤسسات الديمقراطية التي تحفظ عليهم طريقة حياتهم، وبدون وجود إرادة شعبية للصمود والمقاومة، لا يمكن للقوات المسلحة الأوروبية أن تقوم بالدور المطلوب منها دون الدعم الشعبي الكافي.
جزء من أسباب غياب هذه الإرادة الشعبية هو أن الرئيس الروسي قد راهن رهاناً رابحاً على «إرهاق» الشعوب والحكومات الأوروبية خلال الحرب الأوكرانية، نوع من الاستنزاف النفسي والذهني الذي كان له تأثير أكبر من استنزاف الموارد الاقتصادية أو العسكرية لدى الأوروبيين، ومنطق «بوتين» في هذا الصدد وفقاً لـ«ماسالا» يرى أنه كلما ازداد العبء الاقتصادي على شعوب الدول الأوروبية بسبب الحرب، صار الناخبون الأوروبيون أقل ميلاً لدعم أوكرانيا (أو من ستحل محلها في الحروب الروسية القادمة)، وأن هذا المزاج العام الذي يزداد حدة مع تزايد مشاكل تدفق اللاجئين الأوكرانيين إلى الدول الأوروبية، هو أمر لا بد أن تأخذه حكومات «الناتو» في الاعتبار، بشكل قد جعلها تفكر ألف مرة قبل الدخول مرة أخرى في مواجهة أخرى «مرهقة» مع «موسكو».
هذا الإرهاق المجتمعي العام الذي أصاب الشعوب الأوروبية تسبب في حدوث انقسام داخلها، اليوم صار رفض تقديم مزيد من الدعم الأوروبي لأوكرانيا، أو بالتالي لأي دولة تدخل في مواجهة مع روسيا حتى لو كانت ضمن دول حلف «الناتو»، ورقة انتخابية رابحة اجتذبت العديد من قواعد الناخبين إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة أو اليسارية أو الشعبوية فى أوروبا، وبالتالي، وعلى الرغم من التحذيرات التي تنطلق من وزراء الدفاع والمسؤولين العسكريين والسياسيين الأوروبيين، من أن المد الروسي لن يتوقف عند الحدود الأوكرانية، وأن «موسكو» تستعد بالفعل لضربتها القادمة ضد حلف «الناتو»، صارت الشعوب الأوروبية تصم آذانها عن هذه التحذيرات، وتتشكك فى جديتها أو جدواها، خاصة مع انتشار اتجاهات أخرى في أوروبا تؤكد أن «موسكو» قد تعرضت لخسائر فادحة في الحرب الأوكرانية، وأنها ستحتاج لفترة أطول، ما يتصور الجميع لإعادة بناء قواتها المسلحة قبل الدخول في مواجهة جديدة، وبالتالي فلا داعي للقلق من التوسع الروسي، بقدر ما يجب القلق من المشاكل الاقتصادية الداخلية التي لا تعرف الحكومات الأوروبية كيف تحلها.
وهذه الاتجاهات الأخيرة بالذات في نظر «ماسالا»، هي جزء من المواجهة النفسية الأكثر شمولاً التي تحدث بين روسيا ودول حلف «الناتو»، والتي تلعب فيها المعلومات المغلوطة وحملات الدعاية دوراً يجعل الشعوب الأوروبية تتعامل مع أي طرح يحذر من مواجهة جديدة قادمة مع روسيا على أنه أمر غير وارد، وأن مثل هذه التوقعات لا يمكن أن تصدق، من ناحية لأن الأوروبيين لا يريدون أن يصدقوا أن المواجهة مع روسيا يمكن أن تستمر فتتواصل معها الضغوط الاقتصادية التي تعرضوا لها خلال الحرب، ومن ناحية أخرى، بسبب دخول عنصر جديد في هذه المواجهة النفسية، يجعل الكفة تميل دائماً لصالح «موسكو»، وهم مَن أطلق عليهم «ماسالا» وصف «تجار الخوف».
«تجار الخوف» هؤلاء هم النتيجة المباشرة لحرب نفسية أخرى اتبعها الرئيس الروسي في تعامله مع دول حلف «الناتو» خلال حربه ضد أوكرانيا، تقوم على تلويحه أكثر من مرة باللجوء للخيار النووي واستخدام الأسلحة النووية الروسية، سواء ضد أوكرانيا أو ضد الدول الأوروبية الأكثر دعماً لها، وعلى الرغم من أن روسيا لم تتخذ أبداً، كما يقول «ماسالا»، أي خطوات فعلية على الأرض، تظهر جديتها في اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية في أي مرحلة من مراحل الحرب، إلا أن مجرد التلويح باستخدام الترسانة النووية الروسية قد ترك أثراً غائراً في المجتمعات الأوروبية التي لم تستطع التعامل ببساطة مع هذا التهديد.
يقول «ماسالا» إن «تجار الخوف» هم أشخاص كامنون في قلب المجتمع الأوروبي، لا يعملون لصالح «موسكو» لكنهم يخدمون أهدافها بشكل غير مباشر، هم مجموعات متباينة من الأفراد والجماعات، بعضهم يدافع عن موقف روسيا في الحرب الأوكرانية من باب قناعته الفكرية، والبعض الآخر هم موظفون سابقون في الجهات العسكرية الأوروبية يريدون أن يكتسبوا شهرة لدى الجماهير تعوضهم عن إحساسهم بعدم الأهمية، ينضم إليهم عدد من الصحفيين والباحثين الذين يروجون لأفكار اليمين أو اليسار المتطرف في أوروبا، ومعهم بالطبع عدد هائل من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بشكل منظم.
كانت مهمة «تجار الخوف»، كما يقول «ماسالا»، هي تحويل مخاوف الشعوب الأوروبية، وبعض أفراد النخبة السياسية في دول حلف «الناتو»، وقلقهم من اتساع نطاق تصعيد الصراع مع روسيا إلى المورد الأساسي لرزقهم، صارت «البضاعة» التي يروجون لها لدى الناس هي ضرورة تلبية كل مطالب «موسكو» حتى لا يحدث هجوم نووي، لأن «موسكو» قد أصبحت قوة لا تقهر، ولا بد لأوكرانيا أن تستسلم في أسرع وقت، نفس هذه المجموعة هي التي كانت تصر على أن تقديم أي دفعات جديدة من السلاح لـ«كييف» يمكن أن يؤدي لتصعيد لا مفر منه، وربما حتى لحرب نووية شاملة مع روسيا، مما أدى لتعطيل توصيل هذه الدفعات أكثر من مرة، وبحضورهم اللافت والمكثف في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، نجح هؤلاء المتاجرون بالخوف في زعزعة ثبات قطاع كبير من الشعوب الأوروبية.
وظهر تأثير ذلك في استطلاعات الرأى التى أظهرت أن أعداداً متزايدة من الأوروبيين في مختلف دول حلف «الناتو» يميلون لمزيد من الحذر والتروي في نقل أسلحة معينة لأوكرانيا، لمنح مزيد من الفرص لاتفاق لوقف إطلاق النار بالشروط الروسية، وكلما تزايد أمد الحرب تزايد عدد هؤلاء الذين يطالبون حكوماتهم بالحذر في دعم أوكرانيا، وتزايد معهم عدد صناع القرار الذين يترددون بدورهم في توصيل المساعدات المطلوبة للجانب الأوكراني.
أما روسيا، فظهر واضحاً بالنسبة لها كما يقول «ماسالا»، أن «حركة» التلويح بالتهديد النووي هي حركة ناجحة للغاية، ولها تأثير فعال في شل حركة الجانب المقابل، ومنعه من اتخاذ قرارات حاسمة ساعة الجد.
إلا أن المتاجرين بالخوف الذين يعملون لصالح «موسكو» من دون أن يدركوا، ويخدمون مصالحها من حيث إنهم يتصورون أنهم يقومون بحماية شعوبهم، ليسوا هم السبب الوحيد الذي يشل حركة حلف «الناتو»، ويجعل قادته يتخبطون ويترددون دون قدرة على التعامل بحسم يقابل الحسم الروسي في أي مواجهة متوقعة، الأعداء الحقيقيون الذين يكمنون في قلب حلف «الناتو» ويتسببون في تدميره وتمزيقه من الداخل وفقاً لـ«ماسالا»، هم عدم وجود قيادة وعدم وجود استراتيجية واضحة لقادة الحلف.
ما كشفته الحرب الروسية ضد أوكرانيا هو أن القادة الأوروبيين ليس لديهم تحديد واضح للأهداف التي يسعون لتحقيقها من خلال دعم أوكرانيا، أو أي دولة أوروبية تتعرض لهجوم روسي مستقبلاً، هل الهدف، كما يتساءل «ماسالا» هو مساعدة الأوكرانيين على تحرير أراضيهم من الاحتلال الروسي؟ هل هو دعم القوات الأوكرانية من أجل تدمير القدرات العسكرية الروسية، بحيث لا تشكل تهديداً على أي دولة أوروبية أخرى من بعدها؟ هل هو تحسين موقف أوكرانيا في التفاوض على وقف إطلاق النار مع روسيا؟
ويتابع «ماسالا»: «حتى هذه اللحظة، لا يبدو الهدف الاستراتيجي للدول التي تدعم أوكرانيا واضحاً، ما أصبح واضحاً لدينا، هو أن تلك العبارة الشهيرة التي استخدمها المستشار الألماني «أولاف شولتز» عند الحديث عن دعم «كييف» قائلاً: إن أوكرانيا لا ينبغي أن تخسر، وروسيا لا ينبغي أن تنتصر، هي عبارة لا يمكن أن تمثل استراتيجية في حد ذاتها، لأنها لا تقدم إجابات عن التساؤلات المطروحة ولا أهدافاً يمكن تحقيقها وقياسها على الأرض، وتكتفي بدلاً من ذلك بعبارات مطاطة مبهمة، وبدون استراتيجية واضحة لا يمكن أن يكون هناك مسار عمل وتحرك واضح على الأرض فيما يتعلق بدعم أوكرانيا أو وقف النفوذ الروسي.
وهكذا، لو لم يتغير في أوروبا هذا الحال، فسوف تظل روسيا تنتصر، وعلى من لا يعجبه هذا الحال أن يغير نفسه!