من حيل أهل الكتابة (4)

من حيل الخروج من الظل عند الكتّاب ما فعله عباس محمود العقاد ضد أحمد شوقي، إذ لم يكتف بنقد شعره ضمن تصور تجديدي حملت لواءه وقتها «مدرسة الديوان» التي قادها «العقاد» مع عبدالقادر المازني وعبدالرحمن شكري، إنما امتد النقد إلى شخص «شوقي»، فوصفه بـ«الشاعر الكسيح»، واتهمه بأنه يتاجر بالشعر، ويثير حول نفسه ضجة مفتعلة، لتصبح شهرته «تزحف زحف الكسيح» وينزع إلى التقليد والمحاكاة، وتغيب عن قصائده الوحدة العضوية.

وقال إن «هدمه أهون الهينات»، وأن كثيراً من قصائده تغلب عليها المجاملات، خاصة شعر المديح والرثاء، وأنه يجهل بواطن النفوس، وأنه يحس بالوطنية المصرية كما يحسها التركي المتمصر من طبقة الحاكمين أو المقربين إلى الحكومة، فصار بمعزل عن الأمة في شعوره.

ومما قاله «العقاد» في هذا: «كنا نسمع الضجة التي يقيمها «شوقي» حول اسمه في كل حين، فنمرُّ بها سكوتاً، كما نمرُّ بغيرها من الضجات في البلد لا استضخاماً لشهرته، ولا لمنعة في أدبه عن النقد، فإن أدب شوقي ورصفائه من أتباع المذهب العتيق، هدمُه في اعتقادنا أهون الهينات، ولكن تعفَّفنا عن شهرة يزحف إليها زحف الكسيح، ويضنُّ عليها من قولة الحق ضن الشحيح، وتطوى دقائق أسرارها على الصريح»، ويواصل: «ويبقى في غمار الناس مَن يحتاج إلى أن يفهم كيف يحتال شوقي وزمرته على شهرتهم، ومن أي ريح نفخت هذه الطبول.

لقد استخف شوقي بجمهوره، واستخفَّ واستخفَّ حتى لا مزيد، ما كفاه أن يسخّر الصحف سراً لسوقه إليه، واختلاب حواسه، واختلاس ثقته، حتى يسخرها جهرةً، وحتى يكون الجمهور هو الذي يؤدي بيده أجرة سوقه واختلاسه.. والحقيقة أن تهالك شوقي على الطنطنة الجوفاء قديم عريق ورد به كل مورد، وأذهله عما ليس يذهل عنه بصير أريب، وقد وجد في مركز أمكنه من قضاء هذه اللبانة إذ كان أشبه بملحق أدبي في بلاط أمير مصر السابق، وكانت وظيفته وسيلة لارتباطه بأصحاب المؤيد واللواء والظاهر وغيرها من الصحف المتصلة بالبلاط، فكانت لا تبخل عليه بالتقريظ والتهليل، وتتحاشى أن توسع صفحاتها لنقده كما توسعها لنقد غيره».

ويرى «العقاد» أن بيتاً واحداً كبيت البحترى الذي قاله في الربيع: (أَتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً.. مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَلَّما) يساوي كل ما نظم شوقي في ربيعياته وريحانياته ومناظر النيل أو مناظر البحور وغيرها.

ورغم وفاة «شوقي» الذي كان يؤلمه ما يكتبه «العقاد»، استمر الأخير في نقده، ثم ظهر أنه متقصده عن سوء نية، حسبما كشفته واقعة تروى في هذا، حين وقف الشاعر محمد حمام وألقى قصيدة في ندوة، فانبرى «العقاد»، الذي كان يجلس على المنصة، مادحاً القصيدة، مبيناً مواطن الجمال فيها، فلما انتهى، وقف «حمام» ليبلغ الحاضرين بأن القصيدة ليست له، إنما هي من قصائد شوقي، فانزعج «العقاد»، وهب واقفاً، ثم خلع حذاءه وراح يجري خلف «حمام».

وأتى زمن على العقاد نفسه، وبعد أن بلغت شهرته آفاق الشرق كله، ليجد مَن يهاجمونه، فيصفهم بأنهم ينطحون الجبل، بغية شهرة يسعون إليها باقتران أسمائهم باسمه، أو على الأقل إثبات الوجود، واتهم مَن نقدوا كتابه عن أبي نواس وكتبه عن العبقريات بأنهم أرادوا دخول التاريخ من باب الرد عليه، رغم افتقارهم إلى ما يؤهلهم لمنازعته.