فريدة الشوباشي في «امرأة لا تنحني»: المذكرات تعبير عما عشته بصدق.. والهوية المصرية لا مثيل لها

كتب: إلهام الكردوسي

فريدة الشوباشي في «امرأة لا تنحني»: المذكرات تعبير عما عشته بصدق.. والهوية المصرية لا مثيل لها

فريدة الشوباشي في «امرأة لا تنحني»: المذكرات تعبير عما عشته بصدق.. والهوية المصرية لا مثيل لها

بين أروقة معرض القاهرة الدولى للكتاب، حيث صخب المثقفين وأحلام الشباب، تبرز الكاتبة الكبيرة فريدة الشوباشى محتفظة بتلك الكاريزما، التى لم تنل منها السنوات، فى حفل إطلاق كتابها أو مذكراتها «امرأة لا تنحنى»، تستدعى خلاله، بصوت هادئ، لكنه مشحون بالمشاعر التى اكتنفت الذكريات والمحطات المهمة فى حياتها، تلك المحطات التى تشكل تحولات كبرى فى تاريخ مصر، تحدثت فى هذا الحوار مع «الوطن» عن أبرز ما تتضمنه المذكرات الصادرة مؤخراً، وكواليس كتابتها للرحلة المشرفة، وأبرز ردود الفعل عليها، لتقدم للقارئ رؤية «فريدة» وتجربة ستبقى ملهمة للأجيال.

■ ماذا يمثل معرض الكتاب بالنسبة للكاتبة فريدة الشوباشى؟

- معرض الكتاب هو المعبر عن ثقافة مصر، وهذا الإقبال الضخم يعنى أن مصر عادت إلى مكانها ومكانتها، مصر ستظل قِبلة الثقافة فى العالم العربى، ومع الرئيس عبدالفتاح السيسى، سوف تستعيد مصر ريادتها الثقافية، ويجب التأكيد هنا على أن الهوية المصرية لا مثيل لها فى العالم كله.

■ لماذا قررت كتابة مذكراتك «امرأة لا تنحنى» فى هذا التوقيت؟

- أنا لم أخطط ولم أسعَ، لكن الكاتبة جهاد الدينارى، والناشر محمد عبدالرازق، مدير دار «ليدرز»، طرحا علىَّ الموضوع، وأنا وافقت، وجهاد والناشر هما من اختارا العنوان، بناء على الأحداث التى قلتها، وأنا وافقت، وأتصور أنه لن يكذبنى أحد فيما رويته فى المذكرات من كواليس المعارك التى خضتها، وأنا سعيدة بمحبة الناس لى، أعتبر أن محبة الناس هى الجائزة اللى ربنا إدَّاها لى على حسن السلوك.

■ هل كان التلاحم بين حياتك وتاريخ مصر الاجتماعى والسياسى مقصوداً أثناء الكتابة؟

  • لا، لم يكن هناك أى شىء مقصود مطلقاً، أنا فى حياتى كلها لم أخطط لشىء بشكل مسبق، دائماً أتصرف بوحى اللحظة التى أعيشها، الكتاب خرج كما هى حياتى، عفوياً وصادقاً، عندما وافقت على نشره، وافقت لأننى وجدته مُعبراً فعلاً عما عشته بصدق، دون تجميل أو تزييف، أنا لا أجيد التمثيل فى المواقف، وحياتى هى ابنة هذا الوطن، فكيف لا تتقاطع سيرتى مع سيرته؟، كل ألم مر به الوطن، ترك علامة فى حياتى، وكل انتصار كان عيداً فى بيتى.

تقدمت باستقالتى من إذاعة «مونت كارلو».. وأقسمت لزملائى: «أمسح بلاط ولا أضع يدى فى يد السفاح بيريز»

■ سيرتك مليئة بالمواقف البطولية.. ما أكثر اللحظات التى شعرتِ فيها أن فكرة الانحناء أو الموافقة على أمر يخالف ضميرك، كانت مطروحة كخيار صعب؟

  • من اللحظات التى لن أنساها، كانت عندما قرروا فى إذاعة «مونت كارلو» أن علىّ إجراء حوار مع «شيمون بيريز»، ورفضت، كنت وقتها صحفية ومذيعة، وما أذيعه هو ما أكتبه بيدى، وأنا لم أقبل أن أكون مجرد «بوق»، وعرفت أن هذا الطلب كان بإيعاز من إسرائيل، حين حاولوا الضغط علىَّ، لإجراء حوار مع بيريز، قال لى زملائى بوضوح: «سوف يتم فصلك من العمل»، فقلت لهم بملء فمى: «طز، يرفدونى»، زملائى اللبنانيون هناك صرخوا بذهول: «فريدة، أنتِ مجنونة؟»، قالوا لى إننى فى الخمسينات من عمرى، وأين سأجد عملاً جديداً؟، وأقسمت لهم بالله «أمسح بلاط، ولا أضع يدى فى يد هذا السفاح بيريز»، كان لى شعبية كبيرة فى العالم العربى، لما كنت فى إذاعة مونت كارلو، وهم يخشون أصحاب الشعبية الحقيقيين، كان ذلك بعد انتصار أكتوبر، لكننى كنت وما زلت لا أصدق أن إسرائيل بلد يمكن أن يصنع سلاماً حقيقياً، بعد حرب أكتوبر المجيدة، وتضحيات عظيمة من شهدائنا، كنت أرى أن معاهدة «كامب ديفيد» لم تمنحنا شيئاً، فسيناء التى استرددناها بدماء شهدائنا قُسمت لثلاثة أجزاء، جزء لا تضع فيه مصر إلا الشرطة، والثانى شرطة عسكرية، والثالث لواء فقط، كنت على وشك الجنون، كيف ونحن منتصرون تُفرض علينا هذه الشروط؟، وكيف قبلها السادات؟، وطوال عمرى لى الموقف نفسه من العدو الإسرائيلى، وبيريز هذا، عندما كتب له الرئيس المخلوع محمد مرسى «صديقى بيريز»، كتبت وقتها مقالاً مهماً نشرته فى صحيفة «الوطن» بعنوان «بيريز يا راجل».

المصريون رفضوا الانكسار فى عام 1967.. وعندما أعلن جمال عبدالناصر التنحى قررت أن أنزل الشارع لأهتف مع الملايين.. وخسرت جنينى وكسبت بلدى

■ يوم 9 يونيو 1967 هو تاريخ مفصلى فى حياة كل مصرى، لكن بالنسبة لفريدة الشوباشى، كيف وثقتِ تلك اللحظات الدرامية فى المذكرات؟

- هذا اليوم هو الوحيد فى حياتى الذى نسيت فيه أننى أمّ، كان ابنى «نبيل» عمره سنة وشوية، تركته مع عمته «فاتن الشوباشى» ونزلت للشارع كالمجنونة، فى ذلك اليوم، كنت أستمع لإذاعتى واشنطن وتل أبيب، ورأيت حجم الشماتة فى جمال عبدالناصر، وكان أول يوم أكون فيه ناصرية، نظرت إلى زوجى وحبيبى الراحل على الشوباشى، وقلت له: «هؤلاء هم أعدائى (أمريكا وإسرائيل)، وبما أنهم يكرهونه، فإذن هو حبيبى». ساعة إعلان التنحى، قررت أن أنزل الشارع، ونزلت لأهتف مع الملايين، كنت حاملاً فى طفلى الثانى، فى الشهر السابع، ومن كثرة المشى والجرى والانفعال، حدث لى نزيف حاد، عندما ذهبت للطبيب الشهير محمد فياض، سألنى بذهول: «ماذا فعلتِ بنفسك يا فريدة؟»، الحقيقة، رغم أننى خسرت الجنين، فإننى شعرت بأننى كسبت بلدى، ذلك المساء كان يوم «هزمنا فيه الهزيمة»، كان موقفاً رائعاً من مصر كلها، رفضنا الانكسار، وبدأنا حرب الاستنزاف العظيمة، التى رأيت ذعر الإسرائيليين منها فى باريس لاحقاً، كان الإسرائيليون يبكون كالنساء فى حرب الاستنزاف.

■ يندهش البعض من دفاعك المستميت عن جمال عبدالناصر حتى اليوم، خاصة فى الندوات التى يحاول البعض فيها تزييف التاريخ، ما سر هذا الإخلاص؟

- استمرار الإخلاص لمحبة عبدالناصر سببه كان وما زال صدق ووطنية جمال عبدالناصر نفسه، وعندما ذهبت لفرنسا، قرأت كل ما كُتب عنه من أعدائه قبل أصدقائه، ولم يجدوا له ثغرة واحدة فى نزاهته، وصفوه بأنه «رجل بلا رذيلة»، كيف لا أخلص لرجل جعل رأس المصرى مرفوعاً؟، تذكرين معركتى فى مجلة «المصور» مع الأستاذ مكرم محمد أحمد، عندما كشفت عن وجود طيارين فرنسيين شاركوا فى قصف مصر عام 1967، وعرضت الوثائق، قال لى «مكرم»: «ثقتى فيكِ تكفى»، أنا لا أتحدث إلا بوقائع، أما عن هجوم «الإخوان المتأسلمين» وشتائمهم لى بوصف «القردة»، أو «العجوز»، فأنا لا أهتم، هم شعارهم «اخرس»، وديننا بدأ بـ«اقرأ»، أنا أرد عليهم بالحق، والحق دائماً ما يوجعهم، الشجاعة هى أن تقولى الحق فى وقت أصبح فيه قول الحق عملة نادرة.

■ ما سر التجدد والعقلية الشابة التى تتمتع بها فريدة الشوباشى؟

  • أنا عندى 87 سنة، أواكب وأعيش مع بلدى وتطوراتها، الرئيس «السيسى» عندما تحدث، وهو وزير دفاع، قائلاً إن «الإرادة المصرية لن تعلو عليها إرادة أخرى»، يومها بكيت، وكتبت مقالاً قلت فيه: «نعم السيسى رئيسى»، لأنه لامس التكوين الناصرى الموجود داخلى.

المعلم والملهم

على الشوباشى لم يكن مجرد زوج، بل كان المعلم والملهم، وهو أعاد تشكيلى، تخيلى أننى كنت أكتب له رسائل الحب وهو فى المعتقل باللغة الفرنسية، لم أكن أعرف كيف أكتب جملة واحدة بالعربية للتعبير عن مشاعرى، هو من أصر على أن أتعلم العربية، ليس من خلال مدرس، بل من خلال رحلة علمية كاملة، فأنا كنت درست الفرنسية إلى المرحلة الثانوية بدأت من الإعدادية، ثم كلية الحقوق وتخرجت فيها، وكل ذلك بفضل تشجيع على الشوباشى، هو من أخرج «الحتة الأدبية» فى قلبى، بسببه استبدلت ليلى مراد والمجلات الفنية بدراسة القانون والأدب العربى، «علىّ» هو من جعلنى أكتشف ذاتى المصرية العربية، ولولاه لما كانت قصصى ومقالاتى قد رأت النور.


مواضيع متعلقة