كتاب يوثق مخطط التهجير.. غزة بين إعادة الإعمار ومعركة الوجود
كتاب يوثق مخطط التهجير.. غزة بين إعادة الإعمار ومعركة الوجود
يقدم كتاب صادر عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية والمجلس المصري للشئون الخارجية قراءة معمّقة لأخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم: مشروع التهجير القسري لسكان قطاع غزة، بوصفه سياسة ممنهجة لا عرضًا جانبيًا للحرب.
يستند الكتاب إلى خلاصات المؤتمر الدولي الذي عُقد بالقاهرة في 26 فبراير 2025 تحت عنوان «غزة ومستقبل السلام والاستقرار في الشرق الأوسط»، بمشاركة وزراء سابقين ودبلوماسيين وخبراء وباحثين من مصر والعالم العربي والولايات المتحدة، وبحضور إعلامي واسع.
يقسم الكتاب مداولات المؤتمر إلى أربعة فصول رئيسية، إضافة إلى البيان الختامي، ويطرح رؤية متكاملة تعتبر أن بقاء السكان في أرضهم هو الشرط الجوهري لأي إعادة إعمار حقيقية أو استقرار سياسي وأمني مستدام.
العودة المستدامة شرط الاستقرار
يركّز الفصل الأول، «تجارب وخبرات إعادة الإعمار وتسوية الصراعات»، على أن إعادة البناء تفقد معناها دون عودة السكان إلى أراضيهم. يستعرض الفصل تجارب دولية، خصوصًا في أفريقيا، تؤكد أن معالجة النزوح القسري ودمج المجتمعات المحلية يمثّلان المدخل الحقيقي للاستقرار، وأن الأرض ليست أصلًا اقتصاديًا فقط، بل وعاء للهوية والذاكرة والتاريخ.
ويمتد التحليل إلى تجارب الشرق الأوسط في سوريا والعراق ولبنان وليبيا، حيث ارتبطت أي عملية تعافٍ ببقاء السكان أو دعم عودتهم، دون طرح التهجير كحل عملي.
ويخلص الفصل إلى أن التهجير يضاعف الأزمات، بينما تشكّل العودة المستدامة والتمكين المحلي الضمانة الفعلية لأمن غزة واستقرار الإقليم.
التهجير.. عقيدة قديمة وسياسة متجددة
في الفصل الثاني، «مشروعات التهجير ومستقبل القضية الفلسطينية»، يتتبع الكتاب الجذور العقائدية لفكرة «الترانسفير» في الفكر الصهيوني، من لجنة بيل عام 1937 وصولًا إلى مخططات حكومة نتنياهو.
ويستعرض ما لا يقل عن 12 مشروعًا تاريخيًا للتهجير، من بينها «خطة سيناء» (1953)، و«مشروع أيلاند» (2000)، وصولًا إلى وثيقة وزارة الاستخبارات الإسرائيلية عام 2023 التي دعت صراحة لنقل سكان غزة إلى سيناء.
في المقابل، يعرض الفصل المقاربة المصرية لإدارة «اليوم التالي» في غزة، والتي تقوم على تشكيل لجنة إسناد مجتمعي فلسطينية مؤقتة، ووقف فوري لإطلاق النار، وإدخال المساعدات، ثم إعادة الإعمار، وصولًا إلى مسار سياسي يقود إلى حل الدولتين مع انسحاب إسرائيلي كامل. ويربط الطرح بين غزة والتداعيات الإقليمية، محذرًا من أن التهجير يهدد استقرار دول الجوار، خصوصًا الأردن، ويفتح الباب أمام سيناريوهات تهجير أوسع من الضفة الغربية.
أمريكا وصراع السرديات
يتناول الفصل الثالث، «الموقف الأمريكي من حرب غزة وتداعياته الإقليمية»، تحولات السياسة الدولية وصراع الروايات. ويقيّم مقترح ترامب بشأن التهجير، متضمنًا حوارًا مع الصحفي توماس فريدمان الذي وصفه بأنه «فكرة مجنونة وغير منطقية» تهدد استقرار مصر والأردن وتخلق أزمة دبلوماسية مع واشنطن.
كما يركّز الفصل على إعلام الصورة وصراع السرديات، مبرزًا كيف تحوّلت الحرب إلى معركة وعي عالمية، كشفت انحياز الإعلام الغربي وسرديته الانتقائية، وفي المقابل أظهرت قدرة الإعلام البديل ومنصات التواصل على كسر احتكار الرواية، حيث أصبحت الصور الميدانية للضحايا أكثر تأثيرًا من الخطاب الرسمي.
التهجير كتهديد للأمن الإقليمي
في الفصل الرابع، «تداعيات مشروعات التهجير على أمن الشرق الأوسط»، يناقش الكتاب الآثار الاستراتيجية بعيدة المدى للتهجير، من تفكيك الدول وتغيير الديموغرافيا السياسية، إلى تصاعد النزعات الانفصالية، وانتشار الإرهاب والمليشيات في بيئات اليأس والاقتلاع القسري. كما يتناول الأعباء الاقتصادية والأمنية الثقيلة التي تتحملها دول الاستضافة، خاصة مصر والأردن، في ظل تراجع الدعم الدولي.
موقف قاطع وخارطة طريق واضحة
يؤكد البيان الختامي للمؤتمر، كما يعكسه الكتاب، رفضًا قاطعًا لأي محاولات لتهجير سكان غزة، باعتباره جريمة تطهير عرقي وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، ومقدمة لإعادة إنتاج النكبة.
ويشدد على أن نجاح إعادة الإعمار مرهون ببقاء السكان ومشاركتهم في البناء، مع أولوية الإغاثة وتأهيل البنية التحتية.
كما يجدد الدعم للمقاربة المصرية التي تعتبر التهجير خطًا أحمر، وتربط بين إعمار غزة والحفاظ على وجود سكانها، وبين تسوية شاملة للقضية الفلسطينية عبر مسار سياسي جاد يفضي إلى حل الدولتين، باعتباره الطريق الوحيد لاستقرار دائم في الشرق الأوسط.