«وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا»
هل إذا عاد الزمان بإنسان إلى الوراء يمكن أن يفعل شيئاً عكس ما فعله فى الماضى، أو يأتى بأفعال جديدة مخالفة لما فعله فى الزمن الفائت؟ فى مواقف معينة يزعم الإنسان ذلك، ويزعم أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لأدى بشكل مختلف ولعمل غير الذى سبق أن عمله، كما تحكى الآية الكريمة من سورة «الأنعام» والتى يقول المولى عز وجل فيها: «بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ».
ففى مواقف معينة يظهر للإنسان نتائج أفعاله وينظر إلى حصاد ما زرعه بيديه، فيبدأ فى الندم ويقول فى نفسه: لو عادت بى الأيام إلى الوراء سأفعل غير ما فعلت، تماماً مثلما تصف الآية موقف المشركين حين يعاينون نتائج شركهم والعذاب الذى ينتظرهم فيتمنون العودة إلى الوراء، وينفى الخالق العظيم أن يغير هؤلاء من أفعالهم أو أن يأتوا بجديد على مستوى الإيمان إذا رُدوا، فعودتهم ستكون إلى الشرك، وادعاؤهم بأنهم سوف يغيرون من أنفسهم كاذب.
تحمل الآية الكريمة حقيقة كبرى تقول إن الإنسان محكوم دائماً بسياق، فهو «ابن ظروفه وأحواله»، يؤدى كما يفرض عليه السياق، فالإنسان فى الكبر يمكن أن يقول لو عاد بى الزمان إلى الخلف ووجدت نفسى فى مرحلة الشباب من جديد فسأفعل وأفعل، ولو حدثت المعجزة وعاد لفعل مثلما فعل فى شبابه الأول، لن يأتى الإنسان فى هذه الحالة بجديد، بل سيكرر نفس أفعاله القديمة، لأن سياق الشباب غير سياق الكبر والشيخوخة، فالطفل يؤدى بظرفه وحاله، والشاب بظرفه وحاله، والشيخ بظرفه وحاله، والمرأة بظرفها وحالها، والرجل بظرفه وحاله، والفقير بظرفه وحاله، والغنى بظرفه وحاله.. وهكذا، فإهدار السياق آفة من آفات العقل البشرى تؤدى بصاحبها إلى إغفال تأثير الظروف والأحوال على سلوكيات الإنسان.
السلوكيات الإنسانية غالباً ما تكون محكومة بالسياق الذى تظهر فيه، فالسلوك نتاج سياق، بل إن الإنسان نفسه نتاج سياق، ولو أنك وضعت إنساناً مكان إنسان داخل سياق معين فسوف يؤدى الثانى كما أدى الأول. سياق الستينات -على سبيل المثال- غير سياق السبعينات من القرن الماضى، وقد أدى أبطال الحقبتين طبقاً للسياق الحاكم لكل حقبة، ولو أنك أخذت أبطال السبعينات ووضعتهم فى الستينات فسيؤدون مثلما أدى أبطال الستينات، والعكس صحيح. فالسياق جزء من الأداء، ربما عارض البعض هذا الاستنتاج، لكن تقديرى أن السياق أساس الفعل، وقد كان الأستاذ عباس محمود العقاد يؤكد باستمرار حقيقة أن «الإنسان ابن ثقافته».
قارن بين رد فعلك على هدف سجله الفريق الذى تشجعه وأنت تشاهد مباراة كرة قدم بمفردك أمام شاشة داخل منزلك، ورد فعلك على هذا الهدف إذا كنت تجلس بين المناصرين لفريقك داخل الاستاد، اختلاف السياق قد يتسبب فى اختلاف رد الفعل، فقد تأتى فى الاستاد بسلوكيات لا تتوقع أن تأتيها بحال لو كنت تشاهد المباراة بمفردك.
الله تعالى هو العليم بعباده: «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ».