من حِيَل أهل الكتابة (5)

ليست حيل الكُتاب المغمورين للخروج من الظل ظاهرة مصرية خالصة، إنما هناك أشباه لها في مختلف البلدان والثقافات، تتابع الأمر وتراكم حتى صار شيئاً مشتركاً عند أهل الكتابة في كل زمان ومكان. فها هو الكاتب الأمريكي مارك توين، ينطلق فجأة في حملة هجوم شرس على الأديبة جين أوستن، التي كانت ذائعة الصيت، ووصل في هذا حداً بالغاً، إذ ظل يطاردها بعد موتها، ويقول: «لديَّ رغبة في نبش قبرها، كي أوسعها ضرباً بعظمة ساقها، كلما قرأت أعمالها».

ولم تكن حيلته خافية على الأدباء وقتها، فرأوه قد أراد بهجومه هذا أن يُكرس هويته الأدبية الأمريكية الخشنة في وجه الأدب الإنجليزي المحافظ والناعم. ورغم أن عظمة دستويفسكي الأدبية محل اعتراف في العالم أجمع فإنه لم يسلم من قلم فلاديمير نابوكوف الحاد، إذ راح صاحب رواية «لوليتا» يصفه بأنه صاحب موهبة متوسطة، فيما يصف أعماله بأنها «صحراء من الكليشيهات المكرورة»، وهكذا فعل الأمر نفسه مع ليو تولستوي على عظمة رواياته، وفي مقدمتها «الحرب والسلام» و«أنا كارنينا»، ثم انتقل إلى نقد لاذع للأمريكي أرنست هيمنجواي، والبريطانية فرجينيا وولف. ونظر بنو زمنه إلى كتاباته الغارقة في الاستعلاء، وإلى ذوقه الحاد الذي لا ترضيه كتابة، على أنه نوع من بناء صورة لنفسه كناقد جريء حاد، ليس من السهل نيل رضائه عن أي نص أو أي كاتب.

تكرر هذا الموقف عند فلاديمير ماياكوفسكي، الذي تزعّم إصدار بيان في مطلع القرن العشرين تحت اسم «الشعراء المستقبليون»، هاجم فيه الشاعر بوشكين والروائيين تولستوي ودوستويفسكي، على اعتبار أنهم كُتاب تقليديون يجب إلقاؤهم خارج «سفينة الحداثة»، وأن مهمته هي نزع القداسة الأدبية عنهم. وأراد ماياكوفسكي بهذا لفت الانتباه إلى حركته الشعرية الجديدة.

إنها حيلة من التسلق على أكتاف عمالقة الكتابة، قام بها كُتاب ونقاد مغمورون أو هكذا كانوا في أول الطريق، وقصدوا بها سرقة بعض الضوء الذي يحيط بالكبار المتحققين المشهورين، وكان هدف السارقين يتحقق أكثر إن نجحوا في استدراج الكبار للرد عليهم، فوقتها يضمنون ترديد أسمائهم مع الكبار، فإن صمت هؤلاء وتساموا عن الرد، فيمكن للمهاجمين تحقيق هدفهم بطريق آخر، وهو استفزاز جمهور الكاتب الشهير، لصناعة ضجة ترفع أسماء الصغار، وتُكرس في الوقت نفسه رغبتهم في أن يظهروا أمام القراء على أنهم كُتاب أو نقاد متمردون يتسمون بالجرأة، وقد يحظى موقفهم هذا برضا كُتاب كبار آخرين، قد يسهمون في إذكاء نار المعركة من خلف الستار، أو برضا من لا يروق لهم أن تكون هناك رموز مقدسة في عالم الكتابة.

وقد تكمن بعض الدوافع النفسية في أقوال المهاجمين وأفعالهم، ومنها عقد النقص، التي تؤدي إلى أن يقوم كاتب غير ناجح بالهجوم على كاتب ناجح، لأن وجود الثاني على قيد الحياة والكتابة يُذكر الأول بإخفاقه وعجزه، ولذا فعليه أن ينخرط في هجوم لاذع يراه رفعاً لمستواه متوهماً أن هذا يمنحه المساواة معه، أو التفوق عليه، أو خلق شرعية له، لا سيما عند الغافلين من القراء، الذين تلتبس الأمور في رؤوسهم فيظنون أن الجمع بين كاتب صغير وكاتب كبير في جملة واحدة يجعلهم أنداداً. وقد يكون الدافع هو إصابة الكاتب الصغير باضطراب النرجسية، الذي يدفعه إلى فعل أي شيء في سبيل أن يبقى تحت الأضواء، حتى لو أورثه فعله هذا سمعة سيئة، أو فيضاً من الكراهية والمقت، فهذا أفضل لديه من التجاهل والعتمة. ويوجد من يكون دافعه هو اضطراب «الإسقاط النفسي» الذي يجعله يرى العيوب التي تصمه في غيره، فإن كانت أفكاره سطحية، راح يتحدث عن السطحية في كل ما يكتبه الآخرون، وإن كان أسلوبه مملاً ركيكاً رأى الملل والركاكة في سائر الكتابات، وإن كانت حصيلته اللغوية ضعيفة سحب هذا الضعف على كل نص، حتى لو لم يكن كذلك في واقع الأمر.

وهناك أيضاً الرغبة في «قتل الأب»، حيث يرى بعض صغار الكُتاب أو الناشئين منهم أن أمثالهم من الكبار هم أشبه بأصنام تحجب عنهم الضوء، حتى لو رحل أصحابها عن الحياة، ولذا يتعمدون القدح في نصوصهم الباقية، وتعقب أي مثالب شخصية لهم، كي ينالوا من صورتهم المبهرة في عيون القراء، ويقدموا أنفسهم كبديل لهم، أو مجددين عنهم.

وقد حدث هذا الأمر، ولا يزال، مع نجيب محفوظ، حيث كتب بعض الشباب ينتقدونه ويرونه كاتباً محافظاً كلاسيكياً، ووصل الأمر بأحدهم حد القول إنه لم يقرأ لمحفوظ حرفاً واحداً، وليس في حاجة إلى أن يتعلم منه شيئاً، فيما قال آخر إن محفوظ لم ولن يبقى منه شيء. وسبق هؤلاء الناقد فاروق عبدالقادر حيال يوسف إدريس، حيث قال إن هذا الأديب الكبير، الذي يراه كثيرون أميراً للقصة العربية القصيرة، لن يبقى منه سوى خمس قصص فقط، وهو قول ردده بعض كُتاب القصة القصيرة اللاحقين على إدريس، وسمعته بنفسي ذات يوم من الأديب سعيد الكفراوي، وقمت بالرد عليه.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل حيلة نيل الشهرة عبر هدم الآخرين تُفضي بالضرورة إلى شيء مقيم؟ والإجابة هي: لا، فمثل هذه الحيل قد تدفع الصغار المتسلقين على أكتاف الكبار إلى دائرة الضوء بعض الوقت، لكنه سرعان ما ينحسر عنهم، لتبقى القاعدة الراسخة هي أن ما يبقى اسماً في الذاكرة هو وجود إنجاز حقيقي تعترف به الأجيال اللاحقة، بعد انقشاع غبار المعارك المفتعلة، وانتهاء الضجيج العارم إلى صمت وسكون.