عندما تزدحم الذاكرة

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

في عالم التكنولوجيا وجنون المعلومات أصبحت الذكريات الخاصة جداً الحميمية مسجلة بالصورة واليوم والوقت على تلك الأجهزة التي نحملها بين أيدينا (الهواتف المحمولة) وكأننا نضم بين يدينا أيامنا وأحبتنا وأعداءنا وأفراحنا وأحزاننا.

وعندما يفاجئنا هذا الجهاز المبهر الساحب السارق الجبار الذي لا يقاوم بصورة عزيز علينا غادرنا أو بأخرى داخل المنزل أو العمل فإننا نعود بالذاكرة للوراء وكلنا سعادة ودهشة وأحياناً تختلط بمشاعر الاستنكار.

فالحقيقة أن الذكريات هي أعز ما نملك ونعتمد عليه طوال حياتنا، في النهار والليل، ويقظتنا ونومنا، كما أنها عماد علاقاتنا الاجتماعية ومعرفتنا وأذواقنا وتاريخ مغامرتنا وما نعتز ونتميز به. وقد لا يكون من المبالغة القول إنها هي جوهرنا، ولكن الأبحاث العلمية الحديثة تجرح كبرياءنا وتكشف أن هذا الرفيق الحميم فيه كثير من الزيف والسراب.

وتقول أبحاث علم النفس إن هناك ثلاثة أنواع من الذكريات، الخلايا الأقدم التي تتكون في المراحل الأولى من النمو الجنيني وتحتفظ بالذكريات لفترات طويلة وتصبح أقوى مع مرور الوقت، أما الخلايا العصبية التي تكونت في مراحل لاحقة من الحياة فتخزن الذكريات لفترة قصيرة فقط قبل أن تبدأ في التلاشي.

وقد أعلن ونوقش في المؤتمرات الطبية والعلمية أنه أثناء نوم الإنسان يخضع الدماغ لعملية تنظيف للذاكرة يتم خلالها تحويل الأفكار التي تم جمعها خلال ذلك اليوم لأساطير وملامح.. إلى ذكريات طويلة المدي أو التخلص منها.

ومن المنطقي أن يحدث تطهير الدماغ ليلاً عندما يكون في حالة خمول، مع الأخذ في الاعتبار أنه من المستحيل أن يكون لدى الدماغ البشري مساحة كافية لكل شيء يتلقاه في اليوم، وحتي وقت قريب لم يفهم الباحثون آلية اختيار الدماغ لما يجب الاحتفاظ به، ولكن في دراسة نشرت مؤخراً في مجلة ساينس أكد الباحثون لأول مرة أن الدماغ يمر خلال النهار بسلسلة من الخطوات في محاولة لتحديد ذكريات معينة ليتم تخزينها والاحتفاظ بها في تلك الليلة.

أما «فرويد»، فقد تناول هذا الموضوع من جانب آخر، حيث تحدث في أبحاثه عن نوعين من تشوهات أو اعتلال الذاكرة، «paramnesia»، وهي عدم القدرة على التمييز بين الذكريات الحقيقية والوهمية والذكريات الحاجبة «memories screen»، وهي عندما تحل ذكرى معينة محل أخرى، وتحجبها عن الوعي واعتبر كلتا الذاكرتين أسلوباً دفاعياً ضد التهديدات النفسية المختلفة التي تزخر بها الحضارة الحديثة.

وهكذا بالنسبة إلى «فرويد»، فإن ذكريات الطفولة هذه تنتمي إلى الذكريات الحاجبة التي تكسب مع الوقت صفة الذاكرة التاريخية للأمة على شكل أساطير وملامح. فليبحث كل منا داخل ذاكرته عما احتفظ به منذ طفولته وكوّن من خلاله تاريخه والأساطير التي عاشها وقصص الحب الصغيرة التي كبرت وتحولت لحياة وعائلات وأطفال وأحفاد وألبومات ورقية وأفلام تهاجمنا قافزة بحركات بهلوانية من شاشات المحمول.