وليد خيري يكتب: أدب المنصات والرواية التفاعلية
وليد خيري يكتب: أدب المنصات والرواية التفاعلية
ما يطلق عليه أدب المنصات ليس مجرد وسيلة جديدة للنشر، بل هو إعادة تعريف جذرية لماهية النص الأدبي ووظيفة الكاتب، فالمقصود بأدب المنصات هو ذلك النتاج الذي يولد رقميا ويتشكل من خلال دورة حياة تفاعلية لا تنتهي، حيث النص ليس منتجا نهائيا مغلقا، بل هو مسودة حية تتغير بتغير مزاج الجمهور، أما الرواية التفاعلية فهي ذلك النوع من السرد الذي يكسر احتكار المؤلف للحبكة، ليصبح القارئ شريكا أصيلا في صناعة الحدث وتوجيه مصائر الشخصيات، سواء عبر التصويت المباشر أو من خلال ضغط التعليقات التي تلاحق الكاتب فصلا بعد فصل، هذا التحول جعل الكتابة تنتقل من الغرفة المغلقة إلى الفضاء المشاع، محولة الأدب من طقس تأملي فردي إلى فعل جماعي صاخب يحدث على مرأى ومسمع من الملايين.
في هذا السياق الرقمي الجديد، لم تعد القيمة الأدبية تمنح بصكوك من لجان التحكيم أو النقاد الكبار في المجلات الرصينة، بل أصبحت تمنح بعدد المشاهدات ومرات الإعجاب، ولعلنا عندما نتأمل تجربة سارة ريفانس، تلك الشابة التي هزت أركان المشهد الفرنسي بروايتها الرهينة، ندرك أننا لا نتحدث عن حالة فردية بل عن انفجار في بنية السوق الأدبي، سارة التي بدأت من غرفتها في الجزائر العاصمة، موظفة إدارية بعيدة عن صالونات الأدب الباريسية، استطاعت أن تحطم أرقام المبيعات وتتفوق على أسماء أدبية كبرى ومذكرات عالمية، ليس لأنها تملك لغة متقعرة، بل لأنها أدركت لغة العصر الرقمي، هذه الرواية التي بدأت على منصة واتباد وحققت ملايين القراءات قبل أن تلمس الورق، تعبر عن فلسفة جديدة في السرد تعتمد على الرومانتيكية السوداء، وهو نوع أدبي يتسم بالحرية المطلقة من الرقابة، سواء كانت رقابة اللغة أو رقابة الأحداث، وهو ما جعل الروائي واسيني الأعرج يرى فيها بارقة أمل تعيد الجيل الجديد للكتاب، وإن كان هذا الجيل يقرأ عبر شاشات هاتفه وليس عبر الورق التقليدي.
عندما تحدث رولان بارت عن موت المؤلف، كان يقصد انفصال النص عن منتجه لحظة القراءة، بحيث يصبح النص ملكا للقارئ يؤول فيه ما يشاء، لكننا في أدب المنصات أمام ولادة المؤلف التفاعلي الذي لا يموت، بل يظل حاضرا كقائد لفرقة تمثيلية حية، فالكاتب هنا لا يكتب نصا مغلقا، بل يدخل في حالة بروفة دائمة مع الجمهور، في الأدب التقليدي كان المحرر في دار النشر هو الذي يقرر مصير النص ويحذف ما يراه غير مناسب، اليوم انتقلت هذه السلطة إلى الجماهير الرقمية التي تملك حق الفيتو على مصير أي شخصية، عبر نظام التعليقات اللحظية يتلقى الكاتب نقدا فوريا وأوامر بتغيير مسار الحبكة، وهذا ما نطلق عليه الكتابة الرشيقة، وهي استعارة من عالم البرمجيات تعني أن النص منتج مرن يتطور بناء على تجارب المستخدمين، تولد هذه التفاعلية نوعا من الاستحقاق غير المستحق لدى القارئ، فبما أن القارئ يدفع وقته وأحيانا ماله عبر اشتراكات المنصات، فإنه يشعر بأنه شريك في الإنتاج، هذا الجمهور لم يعد متلقيا سلبيا، بل أصبح مخرجا مساعدا يملك القدرة على الهجوم الجماعي على الكاتب إذا لم تسر القصة وفق هواه، مما يفرض رقابة اجتماعية من نوع جديد تختلف عن رقابة المؤسسات الرسمية، حيث يخشى الكاتب غضب الفاندوم أو رابطة المعجبين أكثر مما يخشى غضب النقاد.
أحد الأمثلة الصارخة على هذا التأثير هو ما يحدث في روايات منصة واتباد الشهيرة، حيث يذكر أن بعض المؤلفين اضطروا تحت ضغط التعليقات الغاضبة إلى إحياء شخصيات كانوا قد قرروا قتلها في مسودة الفصل، أو تغيير هوية الشريك العاطفي للبطلة لأن الجمهور انحاز لشخصية ثانوية أكثر جاذبية، هذا النوع من السرد يجعل القارئ يشعر بسلطة وهمية لكنها مؤثرة، فهو لم يعد يقرأ حكاية بل يساهم في كتابتها، وإذا نظرنا إلى الأرقام سنجد أن رواية مثل (بعد) لآنا تود حققت أكثر من مليار قراءة على المنصة قبل أن تتحول إلى سلسلة أفلام عالمية، ورواية (كشك القبلات) لبيث ريكلز تجاوزت تسعة عشر مليون قراءة، هؤلاء الكتاب لم يعودوا مؤلفين بالمعنى التقليدي، بل أصبحوا صناع علامات تجارية وأصول إبداعية قابلة للتطوير، وهذا يقودنا إلى فلسفة الملكية الفكرية في العصر الرقمي، حيث النص هو مجرد حجر الأساس لبناء إمبراطورية تضم الأفلام والمسلسلات والسلع التجارية، كما رأينا في أعمال كورية تحولت من قصص مصورة رقمية مثل كلنا موتى أو إلى الجحيم إلى ظواهر عالمية على منصات العرض المرئي.
لماذا يتعلق جيل ما بعد الألفية، أو ما يعرف بجيل زد، بهذا النوع من الأدب؟ التحليل النفسي يشير إلى أن هذا الجيل الذي نشأ في أحضان وسائل التواصل الاجتماعي لا يعرف الفصل بين الاستهلاك والمشاركة، فبالنسبة له القراءة الصامتة في ركن منعزل هي فعل منقوص، هو يريد أن يقرأ ويعلق ويناقش ويحارب من أجل شخصيته المفضلة في نفس اللحظة، إن أدب المنصات يوفر له هذا المجتمع الرقمي، كما أن القفلات التشويقية في نهاية كل فصل قصير تشبع لديه الحاجة إلى الدوبامين والإثارة المستمرة والتحفيز الذهني اللحظي.
نحن أمام انتقالة من النص الثابت إلى النص السائل، النص الذي لا يكتمل أبدا ويظل قابلا للتعديل والحذف، وهو ما يطرح تساؤلات نقدية عميقة حول جودة هذه الأعمال، فهل كثرة القراءات تعني جودة الفن؟ النقاد المشاهير ينقسمون هنا، فبينما يرى البعض أنها دمقرطة للأدب وكسر لسطوة النخبة، يرى آخرون أنها تضحية بالعمق لصالح الانتشار، وأن الكاتب يتحول إلى عبد لذائقة الجمهور بدلا من أن يكون قائدا لها، إن جون تروبي في كتابه تشريح القصة يشير إلى أن الصراع هو أساس الدراما، وفي أدب المنصات الصراع لا يحدث داخل النص فقط، بل بين الكاتب وجمهوره أيضا.
إن هذا النوع من الكتابة يتميز ببنية درامية متأصلة تجعله شديد القابلية للتحول إلى محتوى مرئي، فالاعتماد على السرد المتسلسل والتركيز على العلاقات العاطفية المشتعلة والصراعات النفسية الحادة يجعل النص مسودة جاهزة للتصوير، شركات الإنتاج العالمية أدركت هذه الحقيقة وبدأت تتعامل مع منصات مثل واتباد وويب تون بوصفها مختبرات حقيقية لجس نبض الجمهور، فعندما تحقق رواية ملايين القراءات فإنها تذهب للمنتج وهي تحمل معها ضمانة النجاح التجاري وقاعدة جماهيرية متحمسة، وهذا يفسر كيف تحولت الروايات الرقمية إلى مصانع للأفلام والمسلسلات التي تتصدر القوائم العالمية، إننا نعيش انزياحا من النصوص المقروءة إلى النصوص المشاهدة، والكاتب الذكي اليوم هو من يكتب وفي ذهنه اللقطة السينمائية والمونتاج، فالأدب صار مسرحا رقميا حيا يؤدي دوره أولا عبر المنصة قبل أن يعرض على الشاشة الكبيرة.
يعكس أدب المنصات رغبة في التحرر من الهياكل السلطوية القديمة، فالشاب الذي يكتب على هاتفه في قرية نائية يملك نفس فرصة الوصول التي يملكها كاتب يسكن في قلب العاصمة، هذه العدالة الرقمية هي التي سمحت لأسماء مثل مرسيدس رون في رواية خطئي أن تصبح ظاهرة عالمية على منصات البث المرئي، وهي التي جعلت الروايات الفلبينية والكورية تكتسح العالم، إننا أمام صناعة تتمحور حول تجربة المستخدم وليس فقط عبقرية المؤلف، وهذا يفرض علينا إعادة تعريف مفهوم الأدب ذاته، هل هو النص الجميل لغويا أم هو النص القادر على تحريك مشاعر الملايين وتغيير سلوكهم؟ إن هذا الاستحقاق الذي يشعر به المتابع يجعل النص ساحة للصراع الأيديولوجي والاجتماعي، حيث الهجوم على الكاتب بسبب مسار قصة قد يتحول إلى قضية رأي عام رقمي، مما يجعل الكاتب يعيش في حالة حذر دائم، يكتب وعينه على رد الفعل اللحظي، وهذا ما قد يحد من قدرته على التجريب الفني الجريء الذي قد يصدم الجمهور.
الرواية التفاعلية هي تجسيد لحلم السرد الذي لا ينتهي، حيث يمكن للقصة أن تمتد وتتشعب بناء على رغبة المجتمع القارئ، مما يحولها إلى أسطورة معاصرة يشارك الجميع في كتابة فصولها، هذا التلاحم بين الكاتب والجمهور هو الذي سيحدد شكل الثقافة في العقود القادمة، حيث ستختفي الفوارق بين المنتج والمستهلك، ويصبح الجميع شركاء في رحلة البحث عن المعنى عبر الكلمات والصور، إن أدب المنصات هو دعوة للجميع للمشاركة في صياغة الحكاية الكبرى للبشرية، وهو مساحة للأصوات التي كانت صامتة لكي تجد طريقها إلى الضوء، إن ما نراه اليوم من نجاحات مدوية لروايات رقمية هو مجرد قمة جبل الجليد، فالقادم هو تداخل أكبر بين الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والسرد التفاعلي، حيث قد نصل إلى مرحلة يختار فيها القارئ نهاية الرواية بنفسه عبر خيارات برمجية داخل المنصة، مما ينهي تماما فكرة المؤلف الواحد والنسخة الواحدة من الكتاب.
إن أدب المنصات والرواية التفاعلية ليسا مجرد موضة عابرة، بل هما انعكاس لتحول عميق في كيمياء العلاقة بين الإنسان والحكاية، الإنسان دائما يبحث عن قصة تعبر عنه، وفي العصر الرقمي لم يعد يكتفي بأن يكون مستمعا حول النار، بل أراد أن يلقي بحطبه في النار لتزداد اشتعالا.